تواجه فرنسا ضغوطاً مالية واقتصادية متزايدة، مع ارتفاع كلفة الاقتراض وتضخم حجم الدين العام وضعف النمو، في وقت تستعد فيه الحكومة لفرض إجراءات لخفض الإنفاق والعجز وسط تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية واقتراب الانتخابات الرئاسية.
وحذّر محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، من أن البلاد قد تواجه خطر "الاختناق تدريجياً بسبب ارتفاع أسعار الفائدة" إذا لم تنجح في إقرار موازنة تقود إلى خفض الإنفاق والعجز، بحسب تصريحات أدلى بها لصحيفة "فايننشال تايمز".
ويعكس التحذير حجم الحساسية التي باتت تحيط بالمالية العامة الفرنسية، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض عاملاً أكثر تأثيراً في قدرة الحكومة على تمويل سياساتها.
وتقترب عوائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات من مستويات 5%، قبل أن تتراجع إلى نحو 4.86%، فيما اتسع الفارق مع السندات الألمانية المماثلة إلى 137 نقطة أساس، بعدما بلغ نحو 150 نقطة أساس الأسبوع الماضي.
ويعني اتساع الفارق أن المستثمرين يطلبون علاوة عائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الفرنسي، في مؤشر على ارتفاع المخاوف المرتبطة بالمالية العامة، وفقاً لتقرير في صحيفة "لوفيغارو".
وتزداد المشكلة تعقيداً مع اقتراب الدين العام من 3.6 تريليون يورو، أي نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تستعد باريس لاقتراض قرابة 340 مليار يورو في 2027.
وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تصل مدفوعات فوائد الدين إلى نحو 79 مليار يورو هذا العام.
سندات فرنسا تتراجع.. هل تعود عدوى أزمة الديون إلى الأسواق الأوروبية؟ - موقع 24بدأ مستثمرون في أسواق السندات الأوروبية يترقبون مؤشرات على انتقال الاضطرابات بين دول منطقة اليورو، بعدما أعادت موجة بيع حادة في السندات الحكومية إلى الأذهان أجواء أزمة الديون السيادية التي ضربت المنطقة قبل أكثر من عقد.
تأثير تدريجي
وتكمن خطورة ارتفاع الفائدة في أن تأثيرها لا يظهر دفعة واحدة، بل يتراكم تدريجياً مع إعادة تمويل الديون المستحقة.
فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، اضطرت الحكومة إلى تخصيص جزء أكبر من موازنتها لخدمة الدين، ما يقلص الموارد المتاحة للاستثمار والخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي.
وتأتي هذه الضغوط في وقت يعاني فيه الاقتصاد الفرنسي من ضعف شديد في النمو، مع توقعات تشير إلى نمو يقارب 0.05% في 2026. كما عاد التضخم إلى الارتفاع، من 2.6% في أغسطس إلى 3.4% في سبتمبر، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
وفي مواجهة هذه المعادلة، تستهدف الحكومة تحقيق فائض بنحو 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وإعادة النظر في عدد من البنود، في وقت تطالب فيه النقابات بزيادة الأجور وتحسين الخدمات العامة وزيادة الإنفاق على المدارس والمستشفيات.
وتزداد صعوبة الخيارات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027، إذ يصبح تمرير إجراءات تقشفية أكثر حساسية سياسياً. لذلك لا تواجه فرنسا أزمة دين بالمعنى التقليدي، لكنها تواجه "اختناقاً مالياً تدريجياً" دين مرتفع، وفوائد متزايدة، ونمو ضعيف، وضغط اجتماعي وسياسي متصاعد.