شهدت وول ستريت والأوساط المالية العالمية تحولاً جذرياً في قراءتها لمستقبل السياسة النقدية الأمريكية، إذ أظهرت أحدث تداولات العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفيدرالي قفزة حادة في احتمالات إبقاء البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقبل المقرر عقده يومي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
ووفقاً لبيانات مؤشر أداة "سي.أن.أي فيد وتش"، بلغت نسبة توقعات تثبيت الفائدة 86%% ، مسجلةً ارتفاعاً كبيراً مقارنة بـ 76% قبل يوم واحد فقط، ما يترجم تبدلاً واضحاً في مزاج المستثمرين الذين أزاحوا سيناريو التشديد النقدى العاجل جانباً في الوقت الحالي.
"المركزي الأوروبي" يراهن على صدمة الطاقة لكبح أسعار الفائدة - موقع 24قال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة وصعود عوائد السندات وتراجع الدعم المالي قد تضغط على النمو الاقتصادي، ما قد يحد من مقدار تشديد السياسة النقدية المطلوب لكبح الضغوط التضخمية.
بيانات التهدئة
يأتي هذا التحول اللافت في معنويات السوق مدفوعاً ببيانات اقتصادية صدرت مؤخراً، وكان أبرزها تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر سبتمبر، والذي جاء أضعف من التوقعات مسجلاً إضافة 29 ألف وظيفة فقط مع ارتفاع طفيف في معدل البطالة، ما أعطى انطباعاً واضحاً للأسواق بأن وتيرة التوظيف المتسارعة بدأت تفقد زخمها.
وتزامن ذلك مع تباطؤ مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي، وهو مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، الذي ارتفع بنسبة 3% على أساس سنوي في أغسطس (آب) متراجعاً عن التوقعات السابقة التي بلغت 3.3%.
ومنح التراجع في الضغوط التضخمية الأساسية المستثمرين أرضية صلبة للمراهنة على أن رئيس الفيدرالي سيفضل التريث ومراقبة البيانات بدلاً من التسرع في إقرار زيادة جديدة.
"لا أحد سعيد في أمريكا".. فلماذا يرتفع إنفاق المستهلكين؟ - موقع 24بين القلق من فاتورة البقالة وأسعار الوقود المؤرقة، ومحاولة تلبية رغبات العائلة، يحسم كثير من الأمريكيين قرارتهم لصالح الإنفاق، رغم التضخم وتراجع الثقة بالاقتصاد إلى مستوايات تكاد تكون الأدنى على الإطلاق، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
إرجاء التوقعات
واتفقت كبرى المؤسسات الاستثمارية وبيوت الخبرة الدولية على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات يمتلك المبررات الكافية لتخطي اجتماع أكتوبر دون المساس بالنطاق الحالي للفائدة المستقر عند 3.75% إلى 4% .
وفي قراءة للمشهد، أرجأت مجموعة غولدمان ساكس توقعاتها للزيادة التالية في أسعار الفائدة الأمريكية إلى اجتماع شهر ديسمبر (كانون الأول)، مشيرة إلى أن البيانات الأخيرة تمنح صانعي السياسة النقدية الوقت لتقييم أثر قرارات الرفع السابقة دون إحداث صدمة غير مبررة في قطاعات الأعمال.
في ذات السياق، أكدت مؤسسة "فانغارد" أن البيانات "تدعم بشكل كامل التزام الفيدرالي بالصبر والتروي"، إذ أن "سوق العمل لا يظهر علامات تحسن ملموس تبرر الاستمرار في وتيرة التشديد السريعة، ما يجعل الانتظار الخيار الأكثر منطقية".
وعلى الرغم من تأييد "بنك أوف أمريكا" لسيناريو التثبيت، حافظ خبراء الاستراتيجية فيه على نظرة حذرة على المدى المتوسط، محذرين من أن الأسواق قد لا تزال تسيء تقدير المستوى النهائي الذي ستصل إليه الفائدة قبل نهاية دورة التشديد الحالية.
تباطؤ قطاع الخدمات الأمريكي في سبتمبر وتصاعد ضغوط الأسعار.. أين تتجه الفائدة؟ - موقع 24تباطأ نشاط قطاع الخدمات في الولايات المتحدة خلال سبتمبر (أيلول)، في حين أدى الطلب المحلي القوي إلى إجهاد سلاسل التوريد، ودفع مقياس الأسعار إلى أعلى مستوياته في أكثر من أربع سنوات، ما يشير إلى أن التضخم ربما يظل مرتفعاً حتى 2027.
إشارت الفيدرالي للتهدئة
وتتطابق هذه الرهانات على تثبيت الفائدة مع نبرة وتصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أنفسهم، إذ أرسل مسؤولو البنك إشارات تهدئة قوية للأسواق بالتأكيد على أنه لا توجد حاجة ملحة للتحرك في الوقت الحالي، وأن البنك يمتلك المتسع من الوقت لجمع المزيد من البيانات الاقتصادية قبل الإقدام على أي خطوة تالية، مع ترك الباب موارباً أمام إمكانية إجراء تعديل صعودي آخر في وقت لاحق من العام الجاري.
وتركت هذه التوقعات ظلالها مباشرة على أداء الأسواق، حيث شهدت عوائد السندات الأمريكية لأجل عامين و10 أعوام نوعاً من الاستقرار النسبي بعد موجة صعود حادة سجلتها في سبتمبر (أيلول).
وفي أسواق الأسهم، تفاعلت المؤشرات الإيجابية جزئياً مع تراجع احتمالات الرفع الفوري، إلا أن مخاوف التباطؤ الاقتصادي المستمر أبقت على حذر المستثمرين.
اليورو قرب أدنى مستوى منذ 17 شهراً وسط ضغوط سياسية ومالية - موقع 24كابد اليورو، اليوم الثلاثاء، بالقرب من أدنى مستوى في 17 شهراً متأثراً بالغموض السياسي والمخاوف المالية في أنحاء منطقة اليورو، في حين واصل الدولار المكاسب الهائلة مدعوماً بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
تراجع رهانات الرفع
من جهة أخرى، تشير تحليلات أسواق التنبؤ البديلة إلى اتجاه مماثل، حيث تراجعت رهانات رفع الفائدة في أكتوبر بشكل جماعي لصالح سيناريو الإبقاء على الوضع الحالي، مما يوضح أن الإجماع بات شبه كلي بين وول ستريت والمنصات الرقمية الاستشرافية.
ويتطلع مجتمع الاستثمار الآن بشغف إلى صدور محاضر اجتماع الفيدرالي الأخير وبيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) المقبلة. فبينما يبدو قرار أكتوبر (تشرين الأول) حاسماً نحو التثبيت بـ 86% ،فإن أي مفاجآت تضخمية غير متوقعة أو تغيرات في المشهد الجيوسياسي تُعيد خلط الأوراق مجدداً وتدفع الفيدرالي إلى مراجعة استراتيجيته الحذرة قبل نهاية العام.