أثارت وفاة موظفة في معهد متخصص بمكافحة الطاعون في منطقة إيركوتسك الروسية، حالة تأهب صحي امتدت سريعاً إلى المستشفيات والفعاليات العامة ومواقع العمل، لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة إذا اتسعت دائرة العدوى، أو القيود الاحترازية في المنطقة الصناعية الواقعة في سيبيريا.

وتوفيت داريا شيبيلوفا، البالغة 28 عاماً، والتي كانت تعمل في معهد "إيركوتسك لمكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى" في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بعد دخولها المستشفى إثر إصابتها بالتهاب رئوي مجهول السبب، بحسب "فرانس 24".

وأثارت الوفاة مخاوف من احتمال إصابتها بالطاعون الرئوي ووقوع حادث أثناء عملها، إلا أن هيئة الرقابة الصحية الروسية "روس بوتريب نادزور" قالت إنها لم تجد دليلاً على وقوع حادث خلال التعامل مع مسببات المرض، كما لم ترصد في عينات الموظفة كائناً دقيقاً مرتبطاً بعملها، ما يعني أن ارتباط الوفاة بالطاعون لم يُحسم رسمياً.

حجر وإلغاء فعاليات

دفعت الحادثة السلطات الروسية إلى تشديد الإجراءات الصحية وتتبع نحو 200 شخص تعامل مع المتوفاة، فيما خضع عشرات العاملين في المعهد للعزل والمراقبة، وفق "رويترز".

وامتدت التدابير إلى القطاع الصحي، إذ فرضت قيود على مستشفيات في المنطقة، بينها مستشفى "شيلخوف" الذي أوقف استقبال المرضى وخروجهم وبعض الفحوص، كما أُلغيت فعاليات عامة ضمن إجراءات احترازية لمنع أي انتشار محتمل، بحسب وسائل إعلام روسية محلية.

وتكتسب الإجراءات الاحترازية أهمية إضافية في إيركوتسك، التي تضم أنشطة صناعية وتعدينية واسعة، من بينها صناعة الألمنيوم. وتقع في مدينة شيلخوف، التي شملتها التدابير الصحية، واحدة من منشآت "روسال" الرئيسية لإنتاج الألمنيوم في سيبيريا.

ثقل إيركوتسك الصناعي

يتمتع إقليم إيركوتسك بثقل اقتصادي بارز داخل سيبيريا، مدفوعاً بقطاعي الصناعة والتعدين. ووفق بيانات البنك المركزي الروسي لعام 2025، استحوذ الإقليم على 3.9% من إجمالي نشاط التعدين في روسيا، و1.3% من الصناعات التحويلية، إلى جانب 2.9% من إمدادات الكهرباء على مستوى البلاد.

ويربط البنك المركزي طبيعة النشاط الاقتصادي في الإقليم بامتلاكه احتياطيات واسعة من الموارد المعدنية والطاقة الكهرومائية والغابات، إلى جانب موقعه ضمن شبكة النقل التي تربط الأجزاء الشرقية والغربية من روسيا.

الألمنيوم تحت المراقبة

لم يتوقف مصهر إيركوتسك للألمنيوم التابع لشركة "روسال" عن الإنتاج، لكنه فرض ارتداء الكمامات على العاملين كإجراء وقائي. وبحسب بيانات "روسال"، تتجاوز الطاقة الإنتاجية للمصهر 400 ألف طن من الألمنيوم سنوياً، ويعمل فيه أكثر من ألفي موظف.

وتظهر استراتيجية التنمية المحلية لشيلخوف الأهمية الكبيرة للمصنع، إذ تشير بياناتها إلى أنه يمثل نحو 63% من الإنتاج الصناعي للمنطقة، ما يجعل أي توقف أو انخفاض كبير في التشغيل أكثر تأثيراً من القيود الحالية على الفعاليات والخدمات.

وتتضح أهمية المنطقة بصورة أكبر على مستوى صناعة الألمنيوم، إذ تظهر بيانات "روسال" أن مصاهرها في سيبيريا أنتجت نحو 3.69 ملايين طن من الألمنيوم الأولي خلال 2025، ما يعادل 94% من إجمالي إنتاج الشركة البالغ 3.92 ملايين طن. وبلغ إنتاج مصهر إيركوتسك وحده نحو 402 ألف طن، ما يعكس أهمية استمرار العمليات الصناعية وعدم امتداد القيود الصحية إلى مواقع الإنتاج.

ماذا لو انتشر المرض؟

توضح منظمة الصحة العالمية أن الطاعون مرض معدٍ تسببه بكتيريا "يرسينيا بيستيس"، الموجودة عادة لدى الثدييات الصغيرة والبراغيث، وله ثلاثة أشكال رئيسية هي: الدبلي وتسمم الدم والرئوي. 

ويعد الطاعون الرئوي أخطر أشكاله، إذ يمكن أن ينتقل بين البشر عبر الجزيئات التنفسية خلال المخالطة القريبة، لكنه قابل للعلاج بالمضادات الحيوية، فيما يشكل التشخيص المبكر وعزل المصابين ومراقبة المخالطين عناصر أساسية لاحتواء انتشاره.

ويظل الطاعون متوطناً في أجزاء من سيبيريا والشرق الأقصى الروسي، حيث تستمر البكتيريا المسببة للمرض بصورة طبيعية بين بعض القوارض البرية والبراغيث، إلا أن الإصابات البشرية في روسيا نادرة، وفق "رويترز".

وتعود آخر حالة طاعون بشرية مؤكدة في روسيا إلى 2016، عندما أصيب طفل يبلغ 10 أعوام في جمهورية ألتاي في سيبيريا، قرب الحدود مع منغوليا، بعد مخالطة حيوان المرموط، بحسب "آيرش تايمز". 

وفي حال تأكيد انتقال العدوى بين البشر وظهور بؤر متعددة، تتجاوز التداعيات القطاع الصحي لتشمل قيوداً على حركة السكان والعمال، وتعطلاً في الخدمات والفعاليات والنقل والإنتاج، بحسب طبيعة الإجراءات التي قد تفرضها السلطات.

في المقابل، تشير المعطيات الصحية الحالية إلى محدودية الخطر، إذ أفادت "رويترز" بأن السلطات الروسية لم ترصد إصابات بالطاعون بين مخالطي الموظفة، فيما خرج نحو 60% ممن وُضعوا في الحجر الصحي. وقالت منظمة الصحة العالمية إن جميع المخالطين المعروفين جرى تحديدهم ووضعهم تحت المراقبة، ولم تظهر عليهم أعراض.

وحتى الآن، لا تمثل التطورات أزمة اقتصادية لسيبيريا، لكنها تضع إيركوتسك أمام اختبار لاحتواء الخطر الصحي قبل امتداده إلى النشاط الصناعي، خصوصاً في منطقة يعتمد اقتصادها المحلي بدرجة كبيرة على منشآت إنتاجية كبرى.