يدخل موسم الزيتون بالمغرب في أجواء مختلفة عن السنوات الماضية، فبعد سنة سجلت انتعاشاً استثنائياً في الإنتاج بفضل تحسن التساقطات والموارد المائية، يجد المزارعون أنفسهم أمام تحديات جديدة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة ونقص اليد العاملة وارتفاع تكلفة جني المحصول.
تمثل زراعة الزيتون أكثر من 65% من المساحات المخصصة للمزروعات الشجرية، وقد شهد الإنتاج تقلبات قوية خلال السنوات الأخيرة، وكان الموسم الماضي استثنائياً بالنسبة لقطاع الزيتون المغربي، بعدما تجاوز الإنتاج مليوني طن خلال 2025-2026، في تحول مهم في مسار القطاع.
فيما بلغ مليون و968 ألف طن خلال موسم 2021-2022، قبل أن يتراجع إلى مليون و86 ألف طن في 2022-2023، ثم إلى نحو مليون و72 ألف طن في 2023- 2024.
وتتوافق هذه الصورة مع معطيات حكومية صدرت في مايو (آيار) 2026، إذ توقعت مديرية الدراسات والتوقعات المالية في وزارة الاقتصاد المغربية أن يبلغ محصول الزيتون حوالي مليوني طن، بزيادة تقارب 111% مقارنة بالموسم السابق.

وتكتسب هذه القفزة أهمية خاصة بالنظر إلى أن موسم 2024-2025 كان من أصعب المواسم بالنسبة للقطاع، إذ قُدر الإنتاج آنذاك بنحو 945.6 ألف طن، مقابل حوالي 1.07 مليون طن في 2023-2024، وأقل بكثير من المستويات التي كان يسجلها القطاع قبل سنوات الجفاف.
في أغسطس (آب) 2026، توقعت الفيدرالية المهنية المغربية للزيتون انخفاض الإنتاج خلال موسم 2026-2027 بنحو 40% مقارنة بالموسم السابق، ما يعني وفق التقديرات محصولاً في حدود 1.2 مليون طن، مقابل مليوني طن في الموسم السابق.
الحرارة ونقص اليد العاملة.. التحدي الأكبر
يواجه المزارعون هذا العام تحديين مباشرين، الأول يتمثل في ارتفاع درجات الحرارة المستمرة حتى مستهل أكتوبر (تشرين الأول)، والتي تؤثر في حالة الثمار وجودته، بحسب الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية.
أما التحدي الثاني، نقص اليد العاملة الموسمية، فارتفاع حجم المحصول في الموسم السابق كشف محدودية قدرة سوق العمل الزراعي على تغطية حاجيات الضيعات خلال ذروة الجني، ما أدى إلى ارتفاع أجور العمال وتكاليف الحصاد.
وقال رشيد بنعلي، رئيس الكونفدرالية، إن "الوضع الراهن ينذر بموسم إنتاج متعثر، خاصة مع الارتفاع المستمر في درجات الحرارة الذي يلقي بظلاله السلبية على المحصول، ويتسبب في تدهور حالة الإنتاج يوماً بعد يوم وتراجع جودته بشكل ملحوظ".
وتابع أن المخاوف الرئيسية لدى المزارعين بعد الحرارة تتجلى في الغياب الحاد لليد العاملة، حيث أصبح هذا النقص يشكل التحدي الأكبر والأكثر إثارة للقلق لدى جميع المشتغلين في هذا القطاع الزراعي.

الأمطار أعادت الأمل إلى القطاع
يحمل الموسم الحالي عوامل إيجابية، أبرزها تحسن الموارد المائية بعد سنوات من الجفاف، فموسم 2025-2026 استفاد من تساقطات مهمة رفعت مستوى ملء السدود إلى 76% في 18 مايو (أيار) 2026، بحجم مياه بلغ حوالي 12.9 مليار متر مكعب، مقابل 40.1% في الفترة نفسها من العام السابق.
وقال رئيس الفيدرالية المهنية المغربية للزيتون كمال بن خالد، أن المخزونات الوفيرة من الزيتون وزيت الزيتون ستضمن استقرار تموين الأسواق ووفرة المنتج دون تأثر ملحوظ.
وأفاد بأن الموسم الحالي سيشهد بدء عملية جني الزيتون في وقت مبكر عن المعتاد، خلافاً للسنوات الماضية التي كانت تمتد فيها إلى شهر نوفمبر (تشرين الثاني).
الزراعة تعود بقوة إلى النمو
انتعاشة الزيتون ليست بمعزل عن أداء القطاع الزراعي المغربي ككل، فبحسب أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط، ارتفعت القيمة المضافة للقطاع الزراعي 21.2% خلال الربع الثاني من 2026 على أساس سنوي، مقابل زيادة 8.3% خلال الفترة نفسها من 2025.
وفي المقابل، تباطأ نمو الاقتصاد المغربي ككل إلى 4% خلال الربع الثاني، مقابل 5.8% في الربع الثاني من 2025.
وعلى مستوى سنة 2025 كاملة، ارتفعت القيمة المضافة للأنشطة الزراعية 8.2%، بعد انكماش 5.7% في 2024، في مؤشر على بداية تعافي القطاع بعد سنوات من الجفاف.

الزيتون.. أكثر من مجرد محصول
تتجاوز أهمية الزيتون حدود الإنتاج الزراعي المباشر، إذ يمثل قطاعاً مهماً للاقتصاد القروي والتشغيل والصادرات والصناعات الغذائية بالمملكة المغربية.
وتتخطى المساحة المزروعة بالزيتون في المغرب 1.1 مليون هكتار، فيما تفوق المساحة المنتجة 900 ألف هكتار، ويبلغ متوسط الإنتاج السنوي أكثر من 1.3 مليون طن وفق وكالة التنمية الفلاحية المغربية.
وتتركز أهم مناطق الإنتاج في فاس-مكناس، ومراكش-آسفي، والشرق، وبني ملال-خنيفرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة.

بين الاستهلاك الداخلي والتصدير
يخصص نحو 67% من محصول الزيتون للعصر، مقابل 23% للتعليب، فيما يمثل الاستهلاك الذاتي حوالي 10%.
وبحسب وزارة الفلاحة المغربية، يتراوح الإنتاج الصناعي عادة بين 130 ألفاً و150 ألف طن، ويتم تصدير ما بين 70% و75% من الزيتون المعلب المنتج صناعياً.
في المقابل، يظل زيت الزيتون موجهاً أساساً إلى السوق المحلية، التي تستوعب نحو 84 إلى 85% من الإنتاج، وخلال الفترة 2018-2022، بلغ متوسط صادرات المنتجات الزيتونية نحو 117 ألفاً و200 طن، منها 87.3% من الزيتون المُعلب و12.6% من زيت الزيتون، بقيمة إجمالية تقارب 1.92 مليار درهم.
وفي 2024 صدر المغرب نحو 8 آلاف و593 طناً من زيت الزيتون البكر، بقيمة تقارب 79.7 مليون دولار.