تتحرك مصر خلال 2026 نحو خفض الاعتماد على واردات القمح في النصف الثاني من العام، مستفيدة من موجة شراء قوية في الشهور الأولى، وارتفاع المحصول المحلي، وتنامي المخزونات المرحّلة، في وقت تسببت فيه اضطرابات البحر الأسود في زيادة مخاطر الشحن وارتفاع أسعار الحبوب عالمياً.

وأظهرت بيانات وتقارير حديثة أن القاهرة قلصت وتيرة الشراء من الخارج بعد تأمين كميات كبيرة في بداية العام، بالتزامن مع ارتفاع المشتريات من المحصول المحلي، بينما دفعتها اضطرابات الإمدادات من روسيا وأوكرانيا إلى توسيع دائرة الموردين والبحث عن بدائل أوروبية وغير تقليدية. 

ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي الدكتور أشرف كمال أن الحكومة المصرية استفادت من خبرة السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في إعادة بناء سياسة إدارة المخاطر المرتبطة بالقمح، في ظل اعتماد البلاد الكبير على الواردات لتغطية الاستهلاك المحلي.

وقال كمال لـ24 إن زيادة المشتريات في الشهور الأولى من العام ساعدت على تكوين مخزون يسمح بامتصاص جزء من اضطرابات الشحن والأسعار، مضيفاً أن تنويع مصادر الاستيراد أصبح أحد الأدوات الرئيسية لتقليل الاعتماد على روسيا وأوكرانيا وحدهما.

وأشار إلى أن دولاً مثل رومانيا وبلغاريا وصربيا أصبحت خيارات أكثر حضوراً في خطط الشراء، خصوصاً مع تزايد المخاطر المرتبطة بموانئ البحر الأسود وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.

توسع محلي في الإنتاج
وعلى الصعيد المحلي، تعتمد مصر على زيادة المساحات المزروعة وتحسين الإنتاجية ضمن استراتيجية التنمية الزراعية، من خلال مشروعات التوسع الأفقي مثل الدلتا الجديدة وتوشكى وسيناء وشرق العوينات، إلى جانب التوسع الرأسي باستخدام أصناف مرتفعة الإنتاجية وأقل استهلاكاً للمياه.

ووفق أحدث تقرير لمكتب وزارة الزراعة الأمريكية في القاهرة، ارتفعت المساحة المحصودة بالقمح في الموسم 2026-2027 إلى نحو 1.5 مليون هكتار، مقارنة بنحو 1.33 مليون هكتار في الموسم السابق. 

وقدّر التقرير إنتاج مصر من القمح بنحو 9.8 ملايين طن، مقارنة بـ9.2 ملايين طن في الموسم السابق، بدعم من زيادة المساحات المزروعة وتحسن استخدام التقاوي المعتمدة والأساليب الزراعية الحديثة. 

الواردات تنخفض إلى 12 مليون طن
وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية تراجع واردات مصر من القمح في الموسم التسويقي 2026-2027 إلى نحو 12 مليون طن، مقارنة بمستويات أعلى في الموسم السابق، مستفيدة من زيادة الإنتاج المحلي وارتفاع المخزونات المرحّلة. 

ويعني ذلك أن مصر ستظل من أكبر مستوردي القمح عالمياً، لكنها تعتمد بدرجة أكبر على مزيج من الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي للحد من تأثير تقلبات الأسواق الخارجية.

الاستهلاك عند 20.7 مليون طن
وفي المقابل، يتوقع أن يصل إجمالي استهلاك القمح في مصر إلى نحو 20.7 مليون طن خلال الموسم 2026-2027، بزيادة تقارب 0.5% عن الموسم السابق، نتيجة ارتفاع الاستخدام الغذائي والبذور والاستخدامات الصناعية بنحو 100 ألف طن. IndexBox

وتظل منظومة الخبز المدعوم العامل الأكبر في الطلب المحلي، ما يجعل القمح من أكثر السلع حساسية في السياسة الغذائية المصرية.

مشتريات محلية قوية
وسجلت الحكومة مشتريات قوية من القمح المحلي خلال موسم 2026. ووفق "رويترز"، أعلن رئيس الوزراء في يوليو أن الكميات المشتراة اقتربت من 4.9 ملايين طن، مقابل مستهدف حكومي يبلغ 5 ملايين طن، بينما أظهرت بيانات رسمية اطلعت عليها الوكالة رقماً أقل قليلاً عند 4.69 ملايين طن في ذلك التوقيت. Reuters

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار توريد القمح المحلي إلى نطاق يتراوح بين نحو 16 ألفاً و16.67 ألف جنيه للطن بحسب الجودة، في خطوة هدفت إلى تشجيع المزارعين على زيادة المساحات المعروضة للدولة وتعزيز المخزون الاستراتيجي. News Minimalist

تنويع الموردين
وتزامن تعزيز الإنتاج المحلي مع محاولة توسيع قاعدة الموردين. فقد أدت الهجمات على منشآت وموانئ البحر الأسود إلى تراجع صادرات روسيا وأوكرانيا، وارتفاع أسعار القمح عالمياً، ما دفع مستوردين كباراً، بينهم مصر، إلى البحث عن شحنات من فرنسا ورومانيا وبلغاريا وأسواق أخرى. Reuters

وتظهر هذه التحركات أن استراتيجية مصر لم تعد تعتمد فقط على شراء أكبر كمية ممكنة بأقل سعر، بل على توزيع المخاطر بين المخزون المحلي، والإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، في محاولة لحماية منظومة الأمن الغذائي من تقلبات الأسعار والشحن.