تتغير طبيعة الهجمات السيبرانية مع دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى عمليات الاختراق، فقد باتت هذه الأدوات قادرة على أتمتة مهام كاملة كانت تتطلب تدخلاً بشرياً، من اكتشاف الثغرات وجمع البيانات إلى تحديد مسارات الوصول إلى الأنظمة.
هذا التطور يقلص الوقت المتاح أمام البنوك والمؤسسات المالية لاكتشاف التهديدات واحتوائها، ويدفعها إلى توسيع الإنفاق على أدوات الرصد والكشف والاستجابة وحماية البيانات والأنظمة، لتصبح مواجهة الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أحد مجالات الإنفاق المتنامية داخل سوق الأمن السيبراني.
اختراق 7 بنوك كورية
ظهر هذا الخطر بصورة مباشرة في كوريا الجنوبية، بعدما تعرضت عدة بنوك تجارية لهجمات سيبرانية متتابعة، أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، أدت إلى اختراق بيانات شخصية لعملاء.
وقال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في 6 أكتوبر (تشرين الأول) إن الذكاء الاصطناعي يبدو أنه استُخدم في بعض الهجمات، داعياً إلى تسريع التحقيقات وتطوير وسائل حماية تناسب عصر الذكاء الاصطناعي.
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن الهجمات طالت 7 مؤسسات مالية على الأقل وسربت بيانات أكثر من 68 ألف شخص، فيما كشفت تحليلات لاحقة أن المهاجم استخدم "ARTEX"، وهو وكيل ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لتقييم واختبار الاختراقات طُور في الصين.
وكان الوكيل يعتمد أساساً على نموذج "DeepSeek v4.1-Flash"، مع استخدام "GLM-5.3" و"غروك 4.6" في عمليات مرتبطة بالهجوم عبر "Claude Code"؛ ولم تنسب السلطات الهجمات رسمياً إلى جهة أو دولة محددة حتى الآن.
ولكن، المهم في الواقعة ليس فقط البيانات التي خرجت، بل الطريقة التي يقلص بها الهجوم المدعوم بالذكاء الاصطناعي الوقت بين اكتشاف نقطة الضعف واستغلالها، وهي المسافة الزمنية التي تعتمد عليها المؤسسات عادة لاكتشاف الخطر والتدخل.

كيف تقتحم الآلة النظام وتصل للعميل؟
تبدأ أولى مراحل هذا الاختراق من إمكانات البرمجة والاستطلاع؛ ويشرح الدكتور أسامة مصطفى، خبير تقنية المعلومات والأمن السيبراني، لـ"24"، أن الذكاء الاصطناعي تحول إلى محرك أساسي ينفذ الهجمات عبر أتمتة سلاسلها بالكامل.
ويستطيع المهاجم استخدام هذه النماذج لفحص قواعد برمجية ضخمة واكتشاف الثغرات وتطوير استغلالات فورية لها، حيث شهد 2026 رصد أول استغلال طُور بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، ليقوم الوكلاء الرقميون بعدها بفحص البنية التحتية والخدمات السحابية وتحديد مسارات الهجوم آلياً.
ولا يتوقف الأمر عند فحص الشبكات، بل يمتد للوصول إلى الموظف أو العميل مباشرة.
ويضيف الخبير التقني أن الذكاء الاصطناعي بات ينتج رسائل تصيد خادعة ومقنعة للغاية بشتى اللغات، وبفعالية تفوق المحاولات البشرية بنحو 5 مرات.
وبمجرد فتح الرابط، يتولى النظام تنسيق عمليات متتابعة لتصعيد الصلاحيات والتحرك داخل الشبكة، لتتقلص الخطوات التي كانت تتطلب أياماً لاكتشاف البيانات والتحرك داخل النظام إلى دقائق معدودة.

الخبير التقني أسامة مصطفى
اتساع سوق الحماية
أمام هذه السرعة الفائقة، تتغير الحسابات المالية للبنوك ليصبح امتلاك دفاعات آلية ضرورة حتمية، وهو ما توضحه بيانات "PwC" التي تظهر أن 84% من مسؤولي الأمن والمالية يتوقعون زيادة موازنات الأمن السيبراني، ويدرج 58% منهم الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات الإنفاق في 2027.
وترجع أسباب هذه الزيادة نظراً لارتفاع كلفة الاختراق؛ إذ بلغ متوسط خسائر اختراق البيانات في الخدمات المالية 6.3 مليون دولار وفق تقرير IBM لعام 2026، بينما بلغت كلفة الاختراقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي 6 ملايين دولار، مسجلة زيادة بنسبة 56% عن العام السابق.
وهذا الواقع الجديد يفتح سوقاً استثمارية واعدة لم تكن موجودة من قبل؛ إذ يوضح الدكتور أسامة مصطفى أن الإنفاق لم يعد يقتصر على تأمين البيانات والشبكات، بل امتد لحماية نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها من التلاعب وتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها.

وتتوقع "غارتنر" نمو سوق تأمين الذكاء الاصطناعي من 2.8 مليار دولار في 2026 إلى 4.8 مليار دولار في 2027، ما يعكس اتساع الطلب على حلول حماية أنظمة الذكاء الاصطناعي.
بدوره، يشير خبير أمن المعلومات إلى أن الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني قد ينمو بنسبة 12.5% خلال 2026، ليصل إلى 240 مليار دولار، مع نمو الإنفاق على الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من الإنفاق التقليدي.