تباطأ التضخم الأمريكي بشكل كبير منذ ذروته في 2022، لكن ذلك لم يُعد الأسعار إلى مستوياتها السابقة، إذ تركت سنوات من ارتفاع تكاليف المعيشة أثراً متراكماً على ميزانيات الأسر، ما يجعل الاقتصاد ملفاً حساساً للجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وبينما يركز الرئيس دونالد ترامب على تراجع معدل التضخم وتحميل إدارة جو بايدن السابقة مسؤولية موجة الغلاء، ينظر الناخبون إلى ما يدفعونه فعلياً مقابل الغذاء والسكن والوقود والخدمات، وهي أسعار لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل جائحة كورونا.
ورغم تراجع التضخم إلى 3.4% في أغسطس (آب) 2026، بعدما تجاوز 9% في 2022، فإن هذا التراجع لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة ارتفاعها. وارتفع المستوى العام لأسعار السلع والخدمات قرابة 30% مقارنة بعام 2020، ما أبقى تكاليف المعيشة عند مستويات أعلى بكثير مما اعتاد عليه المستهلكون قبل الجائحة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن المواطن يتأثر بالأثر التراكمي للأسعار أكثر من تأثره بمعدل التضخم الشهري، ما يفسر حالة الصدمة والاستياء لدى الناخب عندما يواجه أسعاراً أعلى بكثير مما يتذكره من السنوات السابقة، مثل وصول سعر غالون الحليب إلى 5 دولارات، وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
ذاكرة المستهلك
ويتفق خبراء الاقتصاد على أن انطباع الشارع لا يُبنى فقط على التغيرات الشهرية الطفيفة في مؤشرات التضخم، بل على المقارنة التي يجريها المستهلك بين ما يدفعه اليوم وما كان يدفعه قبل أعوام.
ورغم انخفاض أسعار بعض المواد خلال فترات محددة، ظهرت ضغوط جديدة على ميزانيات الأسر، إذ ارتفعت أسعار الوقود مجدداً، بينما تجاوزت معدلات الفائدة على الرهن العقاري 7%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المنازل إلى مستويات قياسية، ما جعل شراء السكن أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين.
ويُلخّص الأستاذ في جامعة جورج تاون، ستيفن ويموث، المتخصص في دراسة العلاقة بين التضخم وسلوك الناخبين، هذه الحالة بقوله إن الناخبين أصبحوا "شديدي نفاد الصبر والقلق" بسبب التضخم، في إشارة إلى أن اهتمامهم لا ينصب فقط على معدل ارتفاع الأسعار، بل على المستوى المرتفع الذي وصلت إليه الأسعار بعد سنوات من التضخم.
الأجور في مواجهة الغلاء
وعلى مدار السنوات الماضية، خاضت الأجور سباقاً غير متكافئ مع الأسعار، ورغم أن العديد من الشركات قدمت زيادات دورية لموظفيها، فإن ارتفاع تكاليف السلع والخدمات قلّص جزءاً من المكاسب الحقيقية لهذه الزيادات.
ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد، نيل ماهوني، أن "النفس البشرية تتعامل مع هذه الزيادات بمنظور مختلف، فالموظف يرى في زيادة راتبه مكافأة شخصية على جهده وكفاءته، وحين يرى التضخم يلتهم هذه الزيادة في المخبز أو المتاجر، لا يشعر بتوازن اقتصادي، بل يشعر بأن قوة خارجية تسلبه جزءاً من مكافأته".
ولم تتوقف الضغوط عند السلع الاستهلاكية، إذ زادت تكاليف خدمات أساسية أخرى، من الرعاية الصحية ورعاية الأطفال إلى النقل والسكن، ما زاد الأعباء الواقعة على ميزانيات الأسر. وتظهر بيانات التضخم أن أسعار العديد من هذه البنود لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، حتى بعد تباطؤ معدل التضخم العام.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم خلال العام المقبل إلى 4.6% في سبتمبر (أيلول)، بحسب مسح جامعة ميشيغان، مقارنة بـ4% في أغسطس (آب)، في وقت ظل ارتفاع الأسعار أحد أبرز مصادر القلق لدى الأسر.
التضخم عقاب المسؤولين
وكان التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز القضايا الاقتصادية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، عندما بلغ التضخم مستويات تاريخية، كما ظلت الأسعار وتكلفة المعيشة من الملفات المؤثرة في انتخابات 2024. واليوم، تواجه الإدارة الحالية والجمهوريون تحدياً مختلفاً يتمثل في إقناع الناخبين بأن تباطؤ التضخم يعني تحسن الأوضاع الاقتصادية، رغم بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة. وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن العبء الشخصي للتضخم يمكن أن يؤثر في تفضيلات الناخبين وسلوكهم الانتخابي.
ويقول الخبير الاقتصادي أحمد معطي لـ24: "كيف سيقتنع الناخب بتحسن الأوضاع الاقتصادية مقارنة بسنوات ماضية، وهو يذهب إلى محطة البنزين ليدفع زيادة تقارب 10% لملء خزان سيارته، التي يبلغ متوسط سعرها اليوم نحو 50 ألف دولار وربما أكثر، في ظل تأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب؟"
ويوضح معطي أن "الناخب الأمريكي يقارن وضعه الاقتصادي الحالي بالسنوات السابقة، وليس بالأرقام المعلنة فقط، بل يقيّم الوضع من خلال نفقاته الشهرية وما طرأ على دخله وقدرته على مواجهة أعباء الحياة، ولا يقارن الأرقام الاقتصادية الحالية بتلك المسجلة في سنوات ماضية بصورة مجردة".
كما يشير الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد الأمريكي إلى أن إدارة ترامب لن تستطيع إقناع المواطنين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة بتحسن الأوضاع الاقتصادية، ما قد ينعكس في صناديق الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي.

من يتحمل الفاتورة الأكبر؟
تظهر بيانات ودراسات اقتصادية أن التضخم لا يؤثر في جميع الأسر بالدرجة نفسها، فالشرائح الأقل دخلاً تكون أكثر تعرضاً لضغوط ارتفاع الأسعار، لأن نسبة أكبر من دخولها تذهب إلى الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والطاقة والسكن. كما أظهرت أبحاث الاحتياطي الفيدرالي أن الأسر ذات الدخل المنخفض تكون أكثر حساسية لصدمات أسعار السلع الأساسية.