لم يعد الوصول إلى خدمات الإنترنت في قطاع غزة أمراً سهلاً لأكثر من 2.4 مليون فلسطيني، في ظل الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية للاتصالات جراء الحرب، وما ترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية طالت مختلف جوانب الحياة في القطاع.

وتسببت صعوبة الوصول إلى خدمات الإنترنت في تراجع القيمة المضافة لنشاط المعلومات والاتصالات في قطاع غزة قرابة 88% خلال الحرب.

مصادر الإنترنت

يعتمد قطاع غزة في الحصول على الإنترنت على ثلاثة مصادر، أولها وأكبرها الخدمات التي تقدمها مجموعة الاتصالات الفلسطينية، سواء عبر الهواتف الخلوية، أو خطوط النفاذ النحاسية والألياف الضوئية (فايبر)، وتمتلك البنية التحتية الأساسية والأوسع لقطاع الاتصالات والإنترنت في غزة.  

وتشغل شركتا الاتصالات الخلوية في قطاع غزة، جوال وأوريدو فلسطين، شبكات الجيل الثاني (2G)، فيما تمنع إسرائيل دخول معدات تشغيل شبكات الجيل الثالث والرابع والخامس. وتوفر الشركتان خدمات الإنترنت عبر شبكاتهما، لكن بسرعات محدودة جداً.

أما خطوط النفاذ النحاسية و"الفايبر"، التي كانت تشكل العمود الفقري الأساسي لشبكة الإنترنت في قطاع غزة، فتدمرت بشكل كبير وبنسب متفاوتة حسب المناطق التي تعرضت لاجتياحات إسرائيلية أو هجمات جوية.

أما المصدر الثاني لخدمات الإنترنت في قطاع غزة، فشركات تزويد إنترنت خاصة، تشتري سعات إنترنت وتعيد توزيعها، وفق تقنيات ربط ونقل مختلفة، لكن هذه الشبكات تدمرت بنيتها التحتية بشكل كامل خلال الحرب، وانتهت خدماتها بشكل نهائي.

ويعتمد عدد قليل من الفلسطينيين في قطاع غزة على مصدر ثالث للحصول على الإنترنت، وهو الشبكات الإسرائيلية التي تغطي إشاراتها أجزاء محدودة جداً من المناطق المتاخمة لحدود القطاع، أو عبر استخدام بطاقات "eSIM" للاستفادة من خدمات التجوال عبر الشركات الإسرائيلية.

لكن الوصول إلى الإنترنت بهذه الطريقة ينطوي على مخاطر كبرى، إذ وثقت تقارير حقوقية مقتل صحافيين ومواطنين فلسطينيين أثناء محاولتهم الاقترابهم من الحدود لالتقاط الإشارة.

آثار الحرب

من بين 841 برجاً تابعاً لشركات الاتصالات الخلوية في قطاع غزة، أخرجت العمليات العسكرية الإسرائيلية 75% منها عن الخدمة، بحسب تقديرات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الفلسطينية.

تسببت الأضرار التي لحقت بشبكات الاتصالات والإنترنت الفلسطينية في عزل قطاع غزة عن العالم أكثر من 10 مرات خلال سنوات الحرب الثلاث، وامتدت تداعياتها أيضاً إلى الاقتصاد.
فاتورة الحرب.. خسائر بالمليارات تعيد اقتصاد غزة عقوداً إلى الوراء - موقع 24بعد ثلاث سنوات على اندلاعها، محت الحرب في قطاع غزة نتائج عقود من التنمية الاقتصادية، بعد أن تسببت بخسائر مباشرة تتراوح التقديرات بشأنها ما بين 71 و80 مليار دولار.

تشير إحصائيات فلسطينية إلى أن نحو 71% من الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 10 سنوات فأكثر تمكنوا من الوصول إلى الإنترنت ولو لمرة واحدة خلال هذا العام، فيما أفاد 60% بأن وصولهم إلى الإنترنت كان متقطعاً، وقال 11% إنهم كانوا على اتصال دائم بالإنترنت. في المقابل، أكد 29% من الأفراد أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الإنترنت مطلقاً.

لكن أثر الانهيار يتجاوز الاتصالات نفسها إلى الاقتصاد، إذ انخفضت القيمة المضافة لنشاط المعلومات والاتصالات في غزة من 13 مليون دولار في 2023 إلى 1.6 مليون دولار في 2025، بانخفاض نسبته 88% بالأسعار الثابتة، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وفي المقابل، بلغت القيمة المضافة للنشاط نفسه في الضفة الغربية نحو 410 ملايين دولار في 2025.

ويقدر المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في أحدث تقديراته، أن خسائر قطاع الاتصالات والإنترنت تتجاوز 3 مليارات دولار، ولا تشمل هذه التقديرات الخسائر التي لحقت بالأنشطة الاقتصادية المعتمدة على الإنترنت.

بدائل عشوائية

ظهرت بدائل عشوائية لتزويد الفلسطينيين بخدمات الإنترنت، من بينها شبكات تعتمد على أجهزة إرسال واستقبال هوائية، لكن تحديات عدة تمنع قدرتها على تقديم الخدمة بشكل فعال ومتواصل.

ويقول المهندس وليد مصلح، الذي يدير شبكة محلية لتزويد خدمات الإنترنت، إن "تحديات التشغيل أصبحت كابوساً بالنسبة له، بعدما فقد القدرة على الحصول على غالبية المعدات التي يحتاج إليها، واضطر إلى استخدام أجهزة قديمة انتشلها من تحت أنقاض مقر شركته في مدينة غزة".

ويضيف لـ24: "نعتمد على بعض قطع النانو ستيشن لاستقبال إشارات الإنترنت اللاسلكية من بعض أبراج مزودي الخدمة في إسرائيل، قبل دمج السرعات في سيرفرات خاصة، لإعادة توزيعها ضمن نطاق شبكات تعتمد على الأطباق لالتقاط الإشارات".

ويشير إلى أن بعض خطوط الإنترنت (الفايبر) ما زالت تعمل أيضاً، لأن مقاسمها وبنيتها التحتية لم تتدمر، ما يتيح الحصول على سرعات عالية وإعادة تقسيمها وبيعها للمواطنين.

ويشير إلى أن جميع مكونات هذه الشبكة، بما فيها الكابلات، ممنوعة من دخول قطاع غزة.

ويبيع مزودو الإنترنت خدماتهم للمواطنين في غزة على شكل حزم تصل قيمتها إلى 2 شيكل (0.65 دولار أمريكي) للساعة الواحدة، ويحصلون مقابلها على إنترنت بسرعة لا تتجاوز 3 ميغابت في الثانية، لكن هذه الخدمة ليست مستقرة.

وأصبح السعر المرتفع للحصول على خدمات متقطعة للإنترنت عبئاً اقتصادياً على العائلات التي تحتاج إلى ما بين 250 و350 دولاراً شهرياً للأسر المتوسطة، خاصة في ظل حاجتها إلى الخدمة، مع اعتماد المؤسسات التعليمية على خدمات التعليم الإلكتروني بعد تدمير المدارس والجامعات.

ويقول مصلح: "لا تتوفر خيارات لتزويد الوحدات داخل دائرة توفير الخدمة بالكهرباء، ما يؤدي إلى انقطاعات".

ويشير إلى أن تشغيل مولدات لتوفير الكهرباء لهذه الوحدات يستلزم تمديد شبكة كهرباء إضافية إلى جانب شبكة الإنترنت، ما يعقد الأمر ويزيد صعوبته، لكن حتى تشغيل المولدات بات صعباً، مع انقطاع الوقود اللازم لتشغيلها بشكل متكرر، وعدم توفر الزيوت التي تحتاج إليها المولدات أو قطع غيار صيانتها.

ويضيف: "يتسبب ذلك في انقطاعات دورية غير منتظمة تربك القدرة على توفير خدمة مستقرة للإنترنت، وتتسبب زيادة تكاليف التشغيل في ارتفاع أسعار الخدمات".

وتوفر بعض المؤسسات في قطاع غزة، مثل المستشفيات، خدمات الحصول على الإنترنت لشرائح معينة من الفلسطينيين، مثل الصحفيين، لكن المستشفيات هي الأخرى تضطر إلى تخفيف بعض الأحمال الكهربائية بسبب الأعطال المتكررة في مولداتها ونقص الوقود.