يواجه الإيرانيون ارتفاعاً حاداً في الأسعار وتراجعاً في قيمة العملة وفقداناً للوظائف، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية تحت وطأة العقوبات والحصار البحري الأمريكي. وبينما يضطر السكان إلى تقليص شراء الغذاء والدواء، يواصل المتشددون في السلطة المواجهة مع واشنطن باعتبار الحرب صراعاً يتعلق ببقاء النظام.
الخبز بالدَّين والدواء بعيد المنال..وملايين الوظائف المفقودة
وتبقى شواهد الواقع برهان على ما وصل إليه الإيرانييون ومنهم مهرداد الذي كلما نظر إلى حسابه المصرفي، تسارعت ضربات قلبه. فهذا المعلم الإيراني يتقاضى راتباً بالكاد يعادل 100 دولار شهرياً، يتبدد خلال أيام مع تسارع التضخم، ويخشى أن تتصل به والدته لتطلب مساعدته.
وبحسب تقرير لصحيفة "ذا تايمز" البريطانية، أدت العقوبات والحصار البحري الأمريكي إلى أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها إيران منذ سنوات طويلة، في إطار مساعٍ لإجبار النظام على الرضوخ في المفاوضات وإنهاء الحرب التي أحدثت صدمات في سوق الطاقة العالمية.
ويقول مهرداد: "ببساطة، أشعر بخفقان في القلب عندما أرى حسابي المصرفي فارغاً، وأقلق من أن تتصل والدتي وتطلب مني شراء شيء تحتاج إليه".
لكن حتى الآن، يبدو أن الإيرانيين العاديين هم الذين يعيدون النظر في خياراتهم. ويقول كثيرون إنهم يضطرون إلى تقليص شراء الضروريات، بينما يواصل المتشددون في الحكومة تحدي الولايات المتحدة.
تراجع الريال وتسارع التضخم
تقول دينا إسفندياري، المسؤولة عن شؤون الشرق الأوسط في "بلومبرغ إيكونوميكس": "الصورة قاتمة حقاً. التضخم يرتفع بصورة هائلة، وصادرات النفط الإيرانية تقترب من الصفر… والعملة تنهار. لا يمكن إنكار وجود الأزمة، والناس يشعرون بها يومياً".
ووفق التقرير، يهبط الريال الإيراني إلى مستويات قياسية متدنية أسبوعياً، إذ تجاوز سعر الدولار 2.7 مليون ريال في السوق المفتوحة، مقارنة بما يزيد قليلاً على مليوني ريال في نهاية أغسطس (آب). وفي يناير (كانون الثاني)، قبل الحرب، كان الدولار يعادل 1.5 مليون ريال، مقابل 817 ألفاً و500 ريال قبل عام من ذلك، وفق الأسعار الرسمية التي أوردتها الصحيفة.
وتضاعف التضخم من 44% في بداية العام إلى نحو 90% في سبتمبر (أيلول). ومع غياب نهاية تلوح في الأفق للحرب، يستعد الإيرانيون لمزيد من المعاناة. وقالت مهرو، وهي صيدلانية في طهران: "السوق غير مستقرة إلى حد لا يملك معه أحد أي يقين، لا المشتري ولا البائع. لا يمكنك التخطيط لأي شيء".
الاستغناء عن الدواء وشراء الخبز بالدين
اضطر بعض السكان إلى التوقف عن تناول أدويتهم لعجزهم عن تحمل تكلفتها، فيما أصبحت اللحوم سلعة كمالية. وقالت إحدى العاملات في مجال التجميل إن نساء وضعن أظافر اصطناعية يعدن إلى الصالونات لإزالتها، حتى لا يضطررن إلى دفع تكاليف العناية بها.
وقالت دنيا، التي تعمل في صالون بمدينة رشت: "أسعار كل شيء أصبحت فلكية. الناس باتت لديهم حسابات بالدَّين لدى المخابز، ويشترون الخبز على الحساب".
وتشير الصحيفة أيضاً إلى أزمة بطالة، مع فقدان ملايين الوظائف بعد إغلاق شركات وتدمير صناعات، مثل صناعة الصلب، خلال الحرب. أما من لا يزالون يعملون، فيواجهون تأخر الرواتب وخفض الأجور.
استمرار الحصار وتأجيل الضربات
كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القول إن إيران "يائسة" للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. وفي منشور على منصة "تروث سوشيال"، الخميس، أكد استمرار "مناقشات مثمرة"، لكنه هدّد أيضاً باستئناف الضربات العسكرية بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الشهر المقبل.
وقال ترامب إن إيران في وضع سيئ اقتصادياً وعسكرياً، وإن الحصار سيظل سارياً بالكامل، لكنه أكد أن الولايات المتحدة لن تهاجمها قبل الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).
وأضاف أن 22 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز في الليلة السابقة وحدها، دون أن يأتي أي برميل من إيران أو يتجه إليها.
وبحسب التقرير، تستطيع واشنطن الاستشهاد بالمعاناة الاقتصادية دليلاً على فاعلية العقوبات والحصار، لكن المتشددين الذين يديرون الحكومة الإيرانية يبدون أكثر ميلاً إلى تصعيد الصراع من الاستسلام.
خلاف داخل النظام على كلفة الحرب
وقالت إسفندياري إن هناك "نوعاً من الشد والجذب بين التكنوقراط وبعض الشخصيات الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني"، وأوضحت أن المتشددين يركزون على استمرار المجهود الحربي والصمود مدة أطول من الولايات المتحدة، ويرون أن معالجة الأزمات الاقتصادية وغيرها يمكن أن تنتظر إلى ما بعد الحرب.
في المقابل، حذّرت شخصيات أكثر براغماتية، داخل الحكومة وخارجها، من أن البلاد لا تستطيع تحمّل التكاليف المتزايدة للحرب. واقترح الرئيس السابق حسن روحاني، المحسوب على التيار الإصلاحي، إجراء استفتاء بشأن استمرار الصراع.
وترى الصحيفة أن النظام ربما بالغ في استخدام أوراق الضغط التي يملكها. فبتعطيل صادرات النفط عبر مضيق هرمز، دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى السعي للسلام في يونيو (حزيران)، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار كان يمكن أن يؤدي إلى تخفيف العقوبات، قبل أن يستأنف هجماته على الملاحة عندما اشتبه في محاولة واشنطن الالتفاف على الحصار.
وتقول الصحيفة إن الجهود الأمريكية نجحت إلى حد كبير، مع اقتراب صادرات النفط من مستوياتها السابقة للحرب، بينما تفقد إيران قدرتها على التحكم في المضيق. وعادت الحرب التي شنها حلفاء طهران "الحوثيون في اليمن" إلى الضغط على أسعار الطاقة، بعد استهداف منشآت نفط سعودية.
وقالت إسفندياري: "هذا لا يعني أن إيران ستستسلم. تنظر طهران إلى هذه اللحظة باعتبارها وجودية؛ فالأمر يتعلق ببقاء الجمهورية الإيرانية".