من منطلق جيواقتصادي، وضع مؤتمر تريندز السنوي السادس، الذي عقد أمس الاثنين في أبوظبي "اقتصاد الشراكات الناشئة" كحجر زاوية لبناء أمن مستدام للمنطقة، متجاوزاً المفهوم التقليدي للردع العسكري إلى صياغة تحالفات مالية ولوجستية عابرة للحدود.

وفي وقت تبحث فيه الأسواق العالمية عن ملاذات آمنة وسط تزايد الاضطرابات الجيوسياسية، كشفت نقاشات المؤتمر أن الشراكات الاقتصادية الجديدة، القائمة على الممرات التجارية الكبرى واتفاقيات الشراكة الشاملة، لم تعد مجرد صفقات تجارية عابرة، بل تحولت إلى شبكة أمان استراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات وحماية البنية التحتية الحيوية ومصادر الطاقة.

ويطرح التحول الجوهري تساؤلاً محورياً يفرض نفسه على طاولة صناع القرار ومجتمع المال والأعمال: كيف ستعيد هذه التكتلات الناشئة توزيع خريطة الاستثمارات وصناعة الثروة في المنطقة خلال العقد المقبل؟

تكتلات المصالح البديل

سيطرت على جلسات المؤتمر رؤية تحليلية ترى أن المنطقة تشهد تحولاً جذرياً ومتسارعاً من مفهوم الجغرافيا السياسية التقليدي القائم على النفوذ والردع، نحو مفهوم الجغرافيا الاقتصادية المدفوع بالمصالح التنموية المشتركة.

ولم تعد الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، مثل اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي تقودها الإمارات، مجرد أدوات لتسهيل التبادل التجاري، بل برزت في النقاشات كصمام أمان حقيقي يؤسس لشبكة من المصالح المتبادلة.

ويخلق  الترابط الوثيق  بدوره توازناً استراتيجياً مستداماً تلتف حوله القوى الإقليمية والدولية وتتحرك لحمايته، مدفوعةً برغبتها المشتركة في تجنب أي خسائر مالية وضمان استدامة نموها الاستثماري.

"تريندز" يستعرض فاتورة الحرب الاقتصادية على الخليج والإقليم - موقع 24حذرت دراسة صادرة عن مركز "تريندز للبحوث والاستشارات" من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب الأمريكية الإيرانية على دول الخليج، مع اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة البحرية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد الضغوط على القطاعات غير النفطية والاستثمارات الأجنبية.

صناديق السيادة والممرات الكبرى

لم يغفل المؤتمر تسليط الضوء على دور صناديق الثروة السيادية والشركات الاستثمارية العملاقة كلاعب رئيسي في هندسة التحالفات الناشئة، حيث يمثل توجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع الربط اللوجستي والممرات التجارية الكبرى إعادة صياغة شاملة لميزان القوى المالي في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، لم تعد الاستثمارات تقتصر على القطاعات التقليدية، بل باتت تتركز بقوة في البنية التحتية اللوجستية عبر بناء موانئ ذكية وشبكات سكك حديدية عابرة للحدود لتأمين حركة البضائع، بالتوازي مع تشكيل تكتلات لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية لضمان ريادة المنطقة في مستقبل الطاقة النظيفة، فضلاً عن بناء مراكز بيانات عملاقة لحماية أمن البيئة الرقمية للاقتصادات الحليفة.

سلاسل إمداد مرنة

وفي عصر يتسم بالتنافس الجيواقتصادي المحموم، ناقش المؤتمر بعمق مسألة الاتصال المرن كعامل حاسم لاستمرار النمو الاقتصادي، إذ فرضت الاضطرابات المستمرة في ممرات الملاحة العالمية، مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، على التحالفات الناشئة ابتكار حلول لوجستية بديلة وأكثر مرونة .

وتعمل هذه الشراكات اليوم على تأسيس مسارات برية وبحرية وجوية متكاملة تضمن تدفق السلع الأساسية ومصادر الطاقة دون انقطاع، مما يحمي الأسواق المحلية من التضخم المفاجئ ويحافظ على جاذبية المنطقة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، باعتبارها بيئة قادرة على إدارة المخاطر بكفاءة عالية في أوقات الأزمات.

الاستثمار الأعلى عائداً

وفي الحصيلة النهائية، يبعث مؤتمر تريندز السادس برؤية واضحة من أبوظبي إلى الأسواق العالمية تفيد بأن الأمن المستدام في الشرق الأوسط لم يعد رهناً باتفاقيات الهدنة الهشة، بل هو نتاج مباشر لعمق الشراكات الاقتصادية الناشئة وثباتها.

وفي عالم ما بعد الحرب، تبدو لغة الأرقام والمصالح المشتركة هي اللغة الوحيدة القادرة على ردم الفجوات السياسية، إذ تثبت الحقائق الاستثمارية الجديدة يوماً بعد يوم، أن الاستثمار في الاستقرار وبناء التكتلات الاقتصادية المرنة هو الاستثمار الأعلى عائداً والأكثر ديمومة لشعوب المنطقة واقتصاداتها.