تصاعدت الدعوات إلى الحد من الاعتماد المفرط على رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم. وفي هذا السياق، تقود الاقتصادية إيزابيلا فيبر توجهاً يدعو صانعي السياسات إلى الانتقال من معالجة التضخم بعد تفاقمه إلى التصدي لأسبابه من البداية، عبر مجموعة من البدائل الاستباقية، تشمل فرض ضوابط على الأسعار وتفعيل الاحتياطيات الاستراتيجية من المواد الأساسية.
وتقول إيزابيلا فيبر، الأستاذة المساعدة في الاقتصاد بجامعة ماساتشوستس أمهيرست: "من خلال رفع أسعار الفائدة لتهدئة سوق العمل، يُطلب الآن من الأشخاص الذين يتحملون بالفعل العبء الأكبر من الصدمة أن يتعاملوا مع الضغوط التي تهدد وظائفهم، بل وحتى مع احتمال البطالة".
وبحسب "وول ستريت جورنال" اكتسبت فيبر شهرة عامة خلال طفرة التضخم التي بدأت أثناء جائحة كوفيد-19 وتسارعت بفعل الحرب الأوكرانية 2022.
وصاغت فيبر مصطلح "تضخم البائعين" لوصف الحالات التي يتزامن فيها ارتفاع الأسعار مع زيادة حادة في هوامش أرباح الشركات، وأيدت فرض ضوابط على الأسعار، وهو موقف واجه انتقادات من اقتصاديين تقليديين.

وذكرت "وول ستريت جورنال" أن استياء الناخبين من طريقة التعامل مع موجة التضخم لم يتراجع، في وقت تواجه فيه الأسر صدمة جديدة في الأسعار نتيجة حرب أخرى.
فرض رقابة على الأسعار
في كتابها الصادر الثلاثاء بعنوان "الاقتصاد المناهض للفاشية"، تدعو فيبر إلى تبني سياسات تخفف الصعوبات التي تواجهها أسر عديدة في تحمل تكاليف الطاقة والغذاء وغيرهما من الضروريات.
وتقول: "يجب على الدولة أن تتحرك لجعل الضروريات في متناول الجميع، وينبغي توفير الأشياء التي لا غنى لأحد عنها بأسعار يستطيع تحملها شخص يتقاضى الحد الأدنى للأجور".
وتضيف: "كانت الأسر تدفع في أغسطس (آب) الماضي تكاليف طاقة تزيد بنسبة 13.6% عما كانت عليه قبل عام. أما أسعار الغذاء فارتفعت بصورة طفيفة، لكنها تبدو مرشحة للقفز في عام 2027 ما لم يُحل هذا النزاع".
وتردف: "من خلال رفع تكاليف الاقتراض، يأمل المصرفيون المركزيون في الحد مما يُعرف بـ(تأثيرات الجولة الثانية)، أي ارتفاع الأجور الذي يدفع الشركات إلى زيادة الأسعار للحفاظ على هوامش أرباحها. أما الأسر، فيؤدي هذا النهج إلى زيادة تكلفة خدمة ديونها، ويجعل وظائفها أكثر عرضة للخطر، في وقت تحاول فيه الشركات خفض نفقاتها".
مأزق الفيدرالي بين الفائدة والدين.. الاقتصاد الأمريكي في مهب التضخم - موقع 24تواجه الولايات المتحدة الأمريكية منعطفاً اقتصادياً معقداً يضع السياسات المالية والنقدية على محك المواجهة المباشرة، فبينما يصر قادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على ضرورة مواصلة تشديد السياسة النقدية لكبح جماح التضخم المستعصي، تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الكونغرس عن قفزة في عجز الموازنة العامة، ما ...
وتحذر فيبر من أن هذا النهج قد يهدد الديمقراطية نفسها، إذ إن الأسر التي تتحمل العبء الأكبر من موجات ارتفاع الأسعار قد تصبح أكثر ميلاً إلى تأييد سياسيين يطرحون حلولاً كانت تُعد متطرفة في السابق. وترى فيبر أن هذا التحول نحو ما تصفه بـ"التطرف" قد يؤدي بدوره إلى مزيد من الاضطرابات في سلاسل الإمداد.
السحب من الاحتياطات
وتقول فيبر في كتابها: "لدينا الآن صدمات تطلق العنان لعدم استقرار ذاتي المنشأ، ما يؤدي بدوره إلى صدمات جديدة".
ودفعها ذلك إلى التشكيك في "فكرة استقلال البنك المركزي، وفكرة إمكانية حل هذه المعضلة باعتبارها مشكلة اقتصادية تقنية بمعزل تام عن اعتبارات مثل استقرار النظام الديمقراطي".
وترى فيبر أن هدف صانعي السياسات عند مواجهة صدمة في الإمدادات يجب ألا يقتصر على الحد من استمرار ارتفاع الأسعار بعد تفاقمه، بل ينبغي أن يمتد إلى معالجة أسباب التضخم من جذورها. وتدعو في هذا السياق إلى فرض ضوابط على الأسعار، إلى جانب تكوين احتياطيات استراتيجية يمكن السحب منها في أوقات الشح وتجديدها في أوقات الوفرة.
إنذار مبكر
وتؤكد فيبر في كتابها "الاقتصاد المناهض للفاشية" أن البنوك المركزية تمتلك خبرة طويلة في "الشراء حين لا يريد أحد الشراء، والبيع حين لا يريد أحد البيع". وترى أن هذه الخبرة يمكن أن تساعد أيضاً في رصد التغيرات السعرية التي قد تشكل إنذاراً مبكراً باضطرابات وشيكة في الإمدادات، حتى إن لم تتولَّ البنوك المركزية بنفسها عمليات الشراء والبيع.
وتقول: "لو توافر لدينا نظام إنذار مبكر، لاستطاعت الحكومات تنفيذ السياسات التي تعجز البنوك المركزية عنها".
التنسيق بين الحكومة و"المركزي"
وتوضح فيبر أنه من غير المرجح أن ينجح منتقدو السياسة النقدية في إقناع البنوك المركزية بالتخلي عن رفع أسعار الفائدة لمواجهة موجة تضخمية قائمة، في وقت لا يعتقد فيه سوى عدد قليل من الاقتصاديين أن سلسلة الصدمات التي طبعت عقد العشرينيات قد انتهت.
وتشير إلى أن بعض صانعي السياسات بدأوا محاولات أكثر استباقية للتعامل مباشرة مع ارتفاع الأسعار الرئيسية، بما في ذلك التوسع في استخدام احتياطيات الطاقة والغذاء.
لكن فيبر تحذر من أن المخاطر ستتضاعف مع كل صدمة جديدة ما لم يتغير النهج المتبع في صنع السياسات.