تعتمد الأفضلية التمويلية للولايات المتحدة على عوامل تتجاوز حجم اقتصادها أو مستوى مديونيتها، في مقدمتها مكانة الدولار بوصفه العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، وعمق سوق سندات الخزانة الأمريكية وسيولتها. وتتيح هذه العوامل لواشنطن الوصول إلى قاعدة واسعة من المستثمرين، رغم تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار، لكنها لا تعفيها من مخاطر ارتفاع العجز وتكاليف الاقتراض.

ووفقاً لمجلة "ذي إيكونوميست"، تمنح هذه المزايا الولايات المتحدة قدرة تمويلية لا تتوافر لأوروبا بالدرجة نفسها، رغم أن إجمالي الدين الحكومي للاتحاد الأوروبي أقل من الدين الأمريكي. ويعود ذلك جزئياً إلى اختلاف هيكل الاقتراض، إذ تصدر الحكومة الأمريكية سندات اتحادية في سوق واحدة واسعة، بينما تتوزع معظم الديون الأوروبية بين حكومات الدول الأعضاء، ما يحد من قدرة الاتحاد على بناء سوق موحدة للأصول الآمنة تضاهي السوق الأمريكية.

وتعكس بيانات صندوق النقد الدولي استمرار هيمنة الدولار على احتياطيات النقد الأجنبي العالمية. إذ بلغت حصته 57.13% في الربع الأول من 2026، مقابل 20.03% لليورو، ما يعزز دوره في النظام المالي الدولي، وإن كانت حصة الاحتياطيات وحدها لا تفسر جميع أسباب الطلب على الأصول الأمريكية.

وبحسب تقرير نشرته المجلة في 3 سبتمبر (أيلول) الماضي، تجاوزت نسبة الدين الحكومي الأمريكي 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 65% قبل عقدين، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع النسبة إلى أكثر من 140% بحلول 2031.

في المقابل، يبلغ إجمالي الدين الحكومي للاتحاد الأوروبي 18.2 تريليون دولار (15.7 تريليون يورو)، وتصل نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 83%. 

وتوضح المقارنة أن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج لا يمنح أوروبا تلقائياً المزايا التمويلية نفسها التي تتمتع بها الولايات المتحدة، فحجم السوق وهيكل إصدار الدين ومستوى السيولة عوامل مؤثرة أيضاً. ومع ذلك، فإن توقع ارتفاع نسبة الدين الأمريكي يجعل ضبط العجز عاملاً مهماً للحفاظ على مرونة التمويل.

أمريكا الأكثر مديونية في العالم.. لماذا تتجه الأنظار إلى فرنسا؟ - موقع 24تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدة لإدارة ديونها الحكومية، رغم أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي لا تزال أقل من نظيرتها في الولايات المتحدة. وتبرز فرنسا في قلب هذه المخاوف، مع ارتفاع مديونيتها واستمرار العجز المالي، إلى جانب تصاعد تكاليف الاقتراض وتراجع ثقة المستثمرين في قدرة ...

الدولار يعزز جاذبية الأصول الأمريكية
يدعم انتشار الدولار عالمياً الطلب على الأصول المقومة به، وفي مقدمتها سندات الخزانة الأمريكية، ويوفر للحكومة قاعدة واسعة من المستثمرين. كما تمنح سيولة الأسواق الأمريكية وعمقها هذه الأصول قدرة على استقطاب رؤوس الأموال، وتعزز قدرة واشنطن على تمويل إصدارات الدين.

وتشكل هذه المكانة ميزة هيكلية لا تتوافر بالدرجة نفسها للدول التي لا تحظى عملاتها بانتشار عالمي مماثل. لكنها لا تعني أن الاقتراض الأمريكي خالٍ من المخاطر، إذ تظل المديونية المرتفعة والعجوزات الحكومية عاملين مؤثرين في استدامة المالية العامة.

النمو الاقتصادي 

يمثل النمو الاقتصادي الأمريكي عاملاً مكملاً لقوة الدولار، إذ يتيح توسع النشاط الاقتصادي زيادة القاعدة المحتملة للإيرادات الحكومية ودعم القدرة على الوفاء بالالتزامات. وتساعد هذه الميزة على تفسير اختلاف الوضع التمويلي الأمريكي عن الأوروبي، لكنها لا تضمن استمرار الأفضلية إذا ارتفع الدين بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد.

أوروبا.. توحيد سوق الدين

تتمثل إحدى العقبات أمام بناء سوق أوروبية موحدة في أن الاقتراض لا يزال موزعاً بين الحكومات الوطنية، لكل منها ديونها وتكاليف تمويلها ومخاطرها المالية. ويؤدي هذا التفاوت إلى اختلاف عوائد السندات بين الدول، ويعقد إصدار أدوات دين مشتركة على نطاق واسع.

وتبرز فرنسا ضمن مصادر الضغط على سوق الدين الأوروبية، بسبب ارتفاع مديونيتها وضعف هامشها المالي، وفق تحليل "ذي إيكونوميست". ويزيد هذا التفاوت صعوبة التوصل إلى ترتيبات أوسع للاقتراض المشترك، إذ تتباين مواقف الدول الأعضاء بشأن تقاسم المخاطر والتكاليف.

وتكشف المقارنة أن قوة الدولار والنمو الاقتصادي وعمق الأسواق تمنح الولايات المتحدة أفضلية تمويلية تتجاوز حجم مديونيتها، فيما تحتاج أوروبا إلى معالجة تجزؤ أسواق الدين للاستفادة بصورة أكبر من حجم اقتصادها. وتبقى استدامة الميزة الأمريكية مرتبطة بقدرة واشنطن على إدارة العجز ومسار الدين.