تمتد تداعيات أزمة الديون العامة في فرنسا من سوق السندات الحكومية إلى الأسهم، لتسجل بورصة باريس أسوأ أداء مقارنة بنظيراتها الأوروبية منذ 2010، وسط مخاوف المستثمرين من تفاقم الأوضاع المالية للبلاد، وتصاعد حالة عدم اليقين السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) 2027.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، تراجع مؤشر "كاك 40" الفرنسي بنسبة 3% منذ بداية 2026، مقابل ارتفاع مؤشر "ستوكس أوروبا 600" بأكثر من 7%، مع مطالبة المستثمرين بخصومات أكبر على تقييمات الشركات الفرنسية لتعويض المخاطر المرتبطة بالديون والسياسة.

وتسارعت خسائر الأسهم منذ مطلع أغسطس (آب) الماضي، بالتزامن مع موجة بيع حادة في السندات الحكومية، أثارتها المخاوف بشأن قدرة فرنسا على إدارة ديونها المتنامية، قبل أن تمتد الضغوط إلى قطاعات المصارف والسلع الفاخرة والسيارات.

المصارف والسلع الفاخرة تحت الضغط

تعرضت أسهم المصارف الفرنسية لخسائر كبيرة، إذ تراجع سهم "سوسيتيه جنرال" بأكثر من 20% منذ بداية أغسطس (آب) الماضي، فيما خسر "بي إن بي باريبا" نحو 19%، وسط مخاوف من تأثير اضطرابات سوق السندات على الاقتصاد وجودة محافظ القروض المصرفية.

وتمتد الخسائر إلى قطاع السلع الفاخرة، الذي يشكل أحد أكبر مكونات البورصة الفرنسية، إذ تراجعت أسهم "إل في إم إتش" و"هيرميس" و "كيرينغ" بأكثر من 25% منذ بداية العام، نتيجة استمرار ضعف الطلب العالمي، وفق "فايننشال تايمز".

وفي قطاع السيارات، خسر سهم "ستيلانتيس" نحو 60% من قيمته خلال 2026، مقابل تراجع "رينو" بـ 25%، تحت ضغط الرسوم الجمركية الأمريكية والمنافسة الصينية. 

في المقابل، استفادت شركات محدودة من صعود قطاعات التكنولوجيا والطاقة عالمياً، إذ ارتفع سهم شركة أشباه الموصلات "إس تي ميكروإلكترونيكس" 94%، وصعد سهم "توتال إنرجيز" 44% منذ بداية العام.

ديون قياسية وموازنة تحت الضغط

تأتي خسائر البورصة مع اقتراب عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات من 5%، وهو أعلى مستوى في نحو ربع قرن، وسط مخاوف بشأن استدامة الدين العام وارتفاع تكاليف الاقتراض.

ووفقاً للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، بلغ الدين العام 3.595 تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من 2026، ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما ارتفع بنحو 59.6 مليار يورو خلال 3 أشهر.

وبحسب "رويترز"، يتضمن مشروع موازنة 2027 إجراءات جديدة لخفض الإنفاق وزيادة الإيرادات بقيمة 43 مليار يورو، ضمن خطة تصحيح مالي إجمالية تبلغ 54 مليار يورو، بهدف خفض العجز من 5.4% في 2026 إلى 5% في 2027.

وتشير التقديرات الحكومية إلى ارتفاع فاتورة فوائد الدين من 79.2 مليار يورو في 2026 إلى 91.2 مليار يورو في 2027، ما يقلص المكاسب المتوقعة ويحد من قدرة باريس على خفض العجز

في السياق ذاته، أعلنت وكالة الخزانة الفرنسية أن احتياجات التمويل ستبلغ 339.7 مليار يورو العام المقبل، بزيادة 28 مليار يورو مقارنة بعام 2026، فيما تخطط لإصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 340 مليار يورو، لتمويل احتياجات الدولة وإعادة تمويل ديون قائمة تستحق السداد. 

الأسواق تضيق الخناق على باريس

وفقاً لوكالة "رويترز"، اتسع الفارق بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى نحو 150 نقطة أساس مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أزمة ديون منطقة اليورو في 2012، وسط مخاوف من استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وصعوبة تمرير إجراءات التقشف.

في المقابل، أكد المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية فالديس دومبروفسكيس، أمس الأربعاء، أن منطقة اليورو لا تواجه حالياً مؤشرات على أزمة ديون سيادية جديدة، لكنه شدد على ضرورة اتباع سياسات مالية حذرة وإقرار الموازنة الفرنسية في موعدها لتهدئة الأسواق، بحسب "رويترز".

هل تتواصل الخسائر؟

يرى بعض المحللين أن موجة البيع قد تتيح فرصاً للمستثمرين رغم المخاوف، خصوصاً إذا كانت الخسائر مدفوعة بتدهور المعنويات أكثر من تراجع النتائج المالية للشركات.

وتقول مارينا زافولوك، رئيسة استراتيجية الأسهم الأوروبية في "مورغان ستانلي"، إن التراجع يبدو مدفوعاً بمعنويات المستثمرين عقب اضطرابات سوق السندات، مشيرة إلى أن المؤشرات على انعكاس الأزمة بصورة ملموسة على أرباح الشركات لا تزال محدودة، ما قد يجعل المستويات الحالية فرصة للشراء.

أما محللو "غولدمان ساكس"، فيحذرون من خسائر إضافية للأسهم الفرنسية إذا استمر الغموض السياسي أو تباطأ النمو الاقتصادي أو تصاعد الضغط على اليورو، مشيرين إلى أن علاوة المخاطر المرتبطة بفرنسا تفسر نحو نصف ضعف أداء أسهمها مقارنة بنظيراتها الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.