يُظهر مشروع قانون الموازنة التونسية لعام 2027 مأزقاً مالياً حرجاً واختناقاً غير مسبوق في قنوات التمويل الخارجي والداخلي الذي تواجهه الحكومة التونسية بشكل مباشر لتأمين مواردها.
وكشفت أرقام مشروع الموازنة المطروحة للنقاش عن عجز هيكلي متفاقم وضعف حاد في تعبئة الموارد التقليدية، مما أجبر صانعي السياسة المالية في تونس على اللجوء إلى خيارات تمويلية بالغة الحرج ستلقي بظلالها على الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي العام للبلاد خلال السنوات المقبلة.
وتتجلى ملامح هذا التوجه الاضطراري في عزم الحكومة التونسية إصدار أول صكوك سيادية بقيمة 3 مليارات دولار، أي ما يعادل 9 مليارات دينار تونسي، بالتوازي مع طلب تمويل مباشر واستثنائي من البنك المركزي التونسي بقيمة 3.35 مليار دولار.
وتعكس توجهات الحكومة بهذا الخصوص اتساع الفجوة المالية للبلاد، حيث قفزت الاحتياجات الإجمالية للاقتراض الحكومي إلى نحو 28.1 مليار دينار، أي ما يعادل 9.4 مليارات دولار لعام 2027، مقارنة بـ 27 مليار دينار تم تسجيلها في ميزانية 2026، مما يضع الاستقرار النقدي والائتماني للبلاد على المحك.
مخاطر التمويل المباشر
تنظر المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الائتماني الكبرى، إلى المؤشرات التونسية بمزيج من التوجس والتحذير الشديد.
وعلى الرغم من قيام وكالة فيتش للتصنيف الائتماني بتثبيت تصنيف تونس مؤخراً عند مستوى "B-" مع نظرة مستقبلية مستقرة، بعد تحسن طفيف في الحساب الجاري والاحتياطيات الأجنبية بفضل عوائد السياحة، إلا أن الوكالة تؤكد باستمرار أن المعضلات الهيكلية لم تُحل بعد.
وتتقاطع رؤية فيتش مع تصنيف وكالة موديز التي تضع تونس عند مستوى "Caa1" مع نظرة مستقرة، مشيرة إلى الانكشاف السيادي ومخاطر السيولة الحادة.
وتجمع تقارير خبراء صندوق النقد الدولي على أن التمويل المباشر من البنك المركزي التونسي للموازنة العامة، والذي بات نهجاً متكرراً للسنة الرابعة على التوالي، يمثل آلية نقدية شديدة الخطورة، لأن إقراض البنك المركزي للحكومة بدون فوائد وعلى مدى سداد طويل يصل إلى 15 سنة مع 3 سنوات إمهال يعد صياغة مبطنة لسياسة طبع العملة، والتي تساهم بشكل مباشر في إضعاف العملة المحلية وضخ سيولة نقدية لا تقابلها زيادة في الإنتاج الحقيقي، مما يهدد بانفلات معدلات التضخم وفقدان السيطرة على الأسعار.
قاطرة الدين وقيود النمو
وبحسب القراءة التحليلية ، فإن المؤشرات الواردة في مسودة موازنة 2027 تعني أن قاطرة الدين العام في تونس تسير بسرعة لا تتناسب مع القدرات الإنتاجية للاقتصاد.
كما أن ارتفاع احتياجات الاقتراض إلى 28.1 مليار دينار يؤكد أن الدولة أصبحت تقترض لكي تسدد ديوناً سابقة وتغطي نفقات التسيير والأجور الجارية، بدلاً من توجيه الأموال نحو استثمارات رأسمالية وبنى تحتية محفزة للنمو.
وتتسبب هذه الحلقة المفرغة في تآكل النفقات الاستثمارية لأنه عندما تلتهم خدمة الدين العام الجزء الأكبر من الموارد المالية الذاتية للدولة، تضطر الحكومة إلى تقليص ميزانيات التنمية والابتكار ودعم المؤسسات الصغرى، مما يخفض من القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي على المدى الطويل،
كما يؤدي ذلك إلى الارتفاع المستمر في كلفة رأس المال حيث ترفع زيادة المديونية من درجة المخاطر السيادية للبلاد، مما ينعكس طردياً على رفع أسعار الفائدة المحلية، وبالتالي ترتفع كلفة الاقتراض على المستثمرين المحليين والأجانب الذين يجدون أنفسهم أمام بيئة استثمارية طاردة ومكلفة.
تونس المعزولة
تجد تونس نفسها اليوم شبه معزولة عن أسواق المال العالمية التقليدية، فالسندات السيادية التونسية المقومة بالدولار واليورو المتداولة في الأسواق الدولية تصنف ضمن نطاق الديون المتعثرة والمجهدة، حيث يتم تداول السندات متوسطة الأجل بخصومات كبيرة وبأسعار تقل بكثير عن قيمتها الاسمية، مما يعكس ضعف ثقة المستثمرين في القدرة على السداد مستقبلاً.
ومن المؤكد أن هذا الوضع يحرم تونس من خيار إصدار سندات يوروبوندز جديدة بأسعار فائدة مقبولة، حيث ستطالب الأسواق بعلاوات مخاطر فلكية قد تتجاوز قدرة المالية العامة على التحمل.
وأمام هذا الانسداد، انحصرت خيارات البلاد الخارجية في قنوات شديدة الضيق تشمل التمويل الخارجي المحدود الذي يقدر بنحو 7 مليارات دينار فقط، وهو رقم متواضع جداً مقارنة بالاحتياجات الإجمالية، ويأتي غالباً في شكل قروض ثنائية مشروطة أو تمويلات من مؤسسات إقليمية ، إلى جانب محاولتها لإصدار الصكوك السيادية بقيمة 3 مليارات دولار لطرق أبواب أسواق المال الخليجية والآسيوية.
لكن نجاح الإصدار يظل رهيناً بتقديم الدولة لضمانات وأصول سيادية قوية، وبعائد سيكون مرتفعاً بكل تأكيد نظراً للتصنيف الائتماني الراهن.
ظاهرة الإنهاك المالي
ونظراً لشح الخيارات الخارجية، اتخذت الحكومة التونسية قراراً قسرياً بالتحول الكامل نحو السوق المحلية لتأمين الحصة الأكبر من التمويل بأكثر من 20 مليار دينار.
ويمثل الاعتماد المفرط على البنوك المحلية والمؤسسات المالية الداخلية تطبيقاً نموذجياً لظاهرة الإنهاك المالي والازدحام، حيث تفضل البنوك التجارية التونسية توجيه سيولتها النقدية لشراء سندات الخزينة الحكومية التي تعتبر استثماراً صفري المخاطر وبعائد مضمون ومجزٍ تؤمنه الدولة، بدلاً من الدخول في مخاطر إقراض الشركات الخاصة، والشركات الناشئة، والأسر التونسية.
وتتمثل النتيجة المباشرة لذلك في تجميد القطاع الخاص حيث تجد الشركات والمؤسسات الصغرى والمتوسطة صعوبة بالغة في الحصول على التمويل والخطوط الائتمانية اللازمة لتوسيع أعمالها أو حتى لتغطية رأس المال المتداول، مما يؤدي إلى تباطؤ الأنشطة التجارية وتسريح العمالة وتراجع معدلات التشغيل.
الانعكاس على المواطن
ولا تقف أرقام الموازنة الجافة عند حدود المكاتب المغلقة لوزارة المالية، بل تترجم مباشرة إلى واقع معيشي قاسٍ يتجرعه المواطن التونسي يومياً. فاللجوء المفرط للاقتراض الداخلي وسحب السيولة من البنك المركزي ينعكسان بشكل فوري على الشارع عبر تغذية معدلات التضخم وتعميق الغلاء المعيشي.
ويتسبب هذا المسار النقدي في تآكل مستمر لقيمة الرواتب والقدرة الشرائية للأسر، التي باتت تواجه قفزات متتالية وغير مسقوفة في أسعار المواد الغذائية والأساسية.
وفي المقابل، يؤدي توجيه الجزء الأكبر من احتياطيات العملة الصعبة لسداد خدمة الديون الخارجية المتراكمة إلى بروز معضلة ندرة السلع الأساسية في الأسواق المحلية. مما يعني أن الدولة ستجد نفسها أمام صعوبات خانقة لتمويل واردات المواد الحيوية مثل الحبوب والأدوية والمحروقات؛ وهو ما يترجم ميدانياً على شكل طوابير انتظار طويلة ونقص متكرر في التزويد المصرفي والتمويني.
وعلى صعيد آخر، يمتد هذا الضغط المالي الخانق ليعصف بجودة الخدمات العامة والبنى التحتية نتيجة الاضطرار لسياسات التقشف. إذ يدفع عجز الموازنة الحكومة إلى خفض الإنفاق الحقيقي والاستثماري على قطاعات المرفق العام الحيوية مثل الصحة والتعليم والنقل؛ الأمر الذي يعمق شعور المواطن بالإنهاك الاجتماعي اليومي ويوصد أبواب التنمية المستدامة.
تراكمات الأزمة
إن الجذور العميقة للمأزق المالي المزمن الذي تواجهه الدولة التونسية لا تعود فقط إلى الضغوط الخارجية، بل هي نتاج تراكمات هيكلية مستمرة منذ عام 2011.
وتبرز في مقدمة المعضلات كتلة الأجور المتضخمة في الوظيفة العمومية، كواحدة من أكبر العقبات التي تلتهم حصة الأسد من الموارد الجبائية والضرائبية للدولة، في ظل قطاع عام متسع ومتضخم بات يضم مئات الآلاف من الأعوان والموظفين دون طاقة إنتاجية مكافئة.
ويضاف إلى عبء الأجور العجز المزمن الذي يعصف بالمؤسسات والشركات العمومية الكبرى، مثل شركات النقل والكهرباء والغاز. وتتحول هذه المنشآت الحيوية تدريجياً إلى ما يشبه الثقب الأسود الذي يستنزف الخزينة العامة سنوياً عبر ضخ تمويلات طارئة لتغطية خسائرها التشغيلية المتراكمة، بدلاً من أن تشكل مورداً مالياً يحقق الأرباح ويدعم موازنة الدولة.
وعلى نحو متصل، تبرز منظومة دعم المواد الأساسية والمحروقات غير المستهدفة كأحد المفاصل المستنزفة للمالية العامة. حيث لا زالت هذه المنظومة تشكل عبئاً مالياً كبيراً وضغطاً مستمراً على الموازنة، لكونها تتأثر بشدة بالتقلبات الجيوسياسية الحادة والقفزات غير المتوقعة في أسعار الطاقة بالأسواق العالمية، مما يحرم الدولة من القدرة على ضبط نفقاتها بشكل دقيق.
خيارات أمام الحكومة
وفي ظل الحقائق السابقة ، فإن قانون مالية 2027 يضع تونس أمام منظور مستقبلي يحمل خيارين لا ثالث لهما، إما المضي قدماً في حزمة إصلاحات وشاملة تتضمن مراجعة النظام الجبائي وحوكمة المؤسسات العمومية وتقديم حوافز حقيقية للاستثمار الخاص والرقمنة لإعادة الثقة مع المانحين الدوليين وصندوق النقد الدولي، أو الاستمرار في نهج مسكنات الألم عبر استنزاف السيولة المحلية والبنك المركزي، وهو الخيار الذي وإن كان يؤمن نفقات الدولة على المدى القصير جداً، فإنه يحمل في طياته مخاطر الانزلاق نحو ركود تضخمي طويل الأمد، ويعوق قدرة الاقتصاد التونسي على توليد الثروة والوظائف للأجيال القادمة، خاصة مع بقاء سعر الصرف عند مستويات تحوم حول 2.9856 دينار لكل دولار أمريكي واحد، مما يزيد من أعباء التمويل الخارجي.