بعد سنوات من الحرب والعقوبات الاقتصادية، تعود سوريا تدريجياً إلى خريطة الاستثمارات الإقليمية والدولية، مع إعلان مشاريع بمليارات الدولارات تقودها شركات خليجية وأوروبية وآسيوية، تتركز في قطاعات الطاقة والعقارات والموانئ والبنية التحتية.

ويأتي هذا التحول عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وما تلاه من رفع العقوبات الغربية. إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو (أيار) 2025 رفع العقوبات عن سوريا، وأصدر في يونيو (حزيران)، أمراً تنفيذياً برفع العقوبات الشاملة، ثم ألغى الكونغرس "قانون قيصر" نهائياً في ديسمبر (كانون الأول) 2025 ضمن موازنة الدفاع الأمريكية. وكان هذا القانون قد قيّد الاستثمار في سوريا وعزلها عن النظام المصرفي الدولي.

إعادة الإعمار

قدّر البنك الدولي، في تقرير صدر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار كأفضل تقدير متحفظ، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

وكانت السعودية وقطر أعلنتا في أبريل (نيسان) 2025 تسديد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، البالغة قرابة 15.5 مليون دولار أمريكي، ما أعاد فتح الباب أمام التمويل الدولي. 

الإمارات 

تتصدر مشاريع الموانئ والعقارات والنقل مجالات الاهتمام الاستثماري الإماراتي في سوريا. ففي يوليو (تموز) 2025، وقّعت شركة "موانئ دبي العالمية" اتفاقية امتياز لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس لمدة 30 عاماً، تستثمر بموجبها 800 مليون دولار على امتداد فترة الامتياز.

وفي أغسطس (آب) 2025، وقّعت دمشق مذكرة تفاهم مع "المؤسسة الوطنية للاستثمار" الإماراتية لإنشاء مترو في العاصمة باستثمار يُقدّر بملياري دولار.

وفي الطاقة، أعلنت شركة "دانة غاز" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط لتقييم إعادة تطوير حقول غاز في وسط سوريا، أبرزها حقل أبو رباح في ريف حمص.

وامتد الاهتمام الإماراتي إلى القطاع العقاري، إذ وقّعت شركة "إيغل هيلز" في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 اتفاقاً إطارياً مع الحكومة السورية لتطوير مشروعين في دمشق واللاذقية. وكشف رئيسها رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خلال قمة "RISE" في دبي، عن خطط لاستثمار ما بين 16 و17 مليار دولار في سوريا.

واستضافت دمشق في مايو (أيار) 2026 المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2026، وقّع المصرفان المركزيان في البلدين اتفاقية أولية للتعاون في أنظمة المدفوعات والسياسة النقدية والتقنيات المالية.

السعودية 

بدورها، وسّعت السعودية حضورها الاستثماري في سوريا عبر 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة نحو 6.4 مليار دولار، أُعلنت في يوليو (تموز) 2025 وشملت قطاعات اقتصادية متعددة.

وفي فبراير (شباط) 2026، أعلنت المملكة مشاريع إضافية. فقد خصص صندوق "إيلاف" الاستثماري ملياري دولار لتطوير مطارين في حلب، وتستثمر شركة الاتصالات السعودية "STC" نحو 800 مليون دولار في مشروع "سيلك لينك" لتطوير شبكات الاتصالات. ويُضاف إلى ذلك مشاريع للمياه وتأسيس شركة طيران "طيران ناس سوريا"، وفق وكالة الأنباء السعودية "واس".

قطر 

أما قطر، فتركز اهتمامها على قطاعي الطاقة والنقل الجوي. ففي مايو (أيار) 2025، وقّعت دمشق مذكرة تفاهم بقيمة تقارب 7 مليارات دولار مع تحالف تقوده شركة "UCC Holding" القطرية. وتنص المذكرة على إنشاء أربع محطات كهرباء تعمل بالغاز بقدرة إجمالية تبلغ نحو 4000 ميغاواط، إضافة إلى محطة للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط، بحسب بيان الشركة.

وفي أغسطس (آب) 2025، وقّعت الشركة نفسها مذكرة تفاهم بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي. ويُتوقع أن تصل طاقته الاستيعابية بعد التوسعة إلى 31 مليون مسافر سنوياً. وكانت هذه المذكرة جزءاً من حزمة تضم 12 مشروعاً بقيمة إجمالية تبلغ 14 مليار دولار، وُقّعت في دمشق في 6 أغسطس (آب) 2025.

أوروبا 

وعلى الصعيد الأوروبي، بدأت شركات كبرى إعادة النظر في فرص الاستثمار داخل سوريا، بالتزامن مع تخفيف القيود الاقتصادية.

ففي مايو (أيار) 2025، وقّعت شركة الشحن الفرنسية "CMA CGM" عقداً جديداً لتطوير وتشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية لمدة 30 عاماً، باستثمارات تبلغ 230 مليون يورو. والشركة ليست جديدة على الميناء، إذ تدير المحطة منذ عام 2009.

كما أسهم قرار الاتحاد الأوروبي رفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سوريا في مايو (أيار) 2025 في تهيئة الظروف أمام استئناف العلاقات التجارية وتوسيع فرص الاستثمار.

تركيا

وشهد قطاع الطاقة السوري حضوراً استثمارياً تركياً، إذ تشارك شركتا "كاليون" و"جنكيز" التركيتان في التحالف الذي تقوده "UCC Holding" القطرية لتنفيذ مشاريع توليد الكهرباء، ويضم التحالف أيضاً شركة "Power International USA" الأمريكية.

الصين

وفي قطاع صناعة المركبات، وقّعت الشركة السورية لصناعة السيارات، التابعة للصندوق السيادي السوري، في يوليو (تموز) 2026 اتفاقية شراكة مع شركة "يوتونغ" الصينية لصناعة الحافلات، بهدف توطين صناعة المركبات في سوريا، دون الكشف عن قيمة الاستثمار.