تواجه العمالة الأجنبية الماهرة في الولايات المتحدة ضغوطاً مهنية ومالية متزايدة، مع استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بتأشيرات العمل من فئة "H-1B"، إذ اضطر بعض الموظفين إلى العودة لبلدانهم بعد فقدان وظائفهم وتعذر العثور على جهات عمل جديدة تتولى رعاية تأشيراتهم، وسط نزاعات قضائية بشأن رسوم تبلغ 100 ألف دولار سبق أن فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على بعض طلبات التأشيرات.
واستعرضت مجلة بيزنس إنسايدر، في تقرير نشرته في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، تجارب 10 أشخاص تأثروا بالتغيرات التي شهدتها سياسات الهجرة الأمريكية خلال العام الماضي، بينهم موظفون عادوا إلى بلدانهم وآخرون أعادوا بناء مساراتهم المهنية خارج الولايات المتحدة، فيما لا يزال بعضهم يحاول الحفاظ على فرص العمل والإقامة في السوق الأمريكية.
وتكشف الحالات عن أعباء مالية تتجاوز فقدان الدخل، لتشمل تكاليف الانتقال الدولي وإنهاء عقود الإيجار ونقل الممتلكات، فضلاً عن صعوبة التخطيط للمستقبل عندما ترتبط الإقامة القانونية باستمرار علاقة العمل مع جهة راعية للتأشيرة، وفقاً لشهادات العاملين التي وثقتها "بيزنس إنسايدر".
18 ألف دولار للعودة إلى الهند
اضطرت الهندية سومي تشاندا، البالغة 35 عاماً، إلى العودة إلى مدينة كولكاتا بعد تسريحها من شركة "أمازون" في 2025، عقب نحو 13 عاماً أمضتها في الولايات المتحدة، إذ قدرت إجمالي تكاليف انتقالها بنحو 18 ألف دولار، شملت السفر وإنهاء عقد الإيجار والتخلص من الممتلكات وترتيبات نقل قطتيها، وفقاً لتقرير "بيزنس إنسايدر".
وكانت تشاندا انتقلت من الهند إلى مدينة سبوكان بولاية واشنطن 2013 لاستكمال دراستها العليا، قبل اختيارها للحصول على تأشيرة "H-1B" في عام 2021، ثم انتقالها إلى سياتل بعدما أصبحت "أمازون" الجهة الراعية لتأشيرتها، بحسب المجلة.
وبعد فقدان وظيفتها، واجهت تشاندا مهلة تصل إلى 60 يوماً للعثور على صاحب عمل جديد يتولى رعاية التأشيرة أو اتخاذ إجراء قانوني آخر يسمح لها بالبقاء، لكنها لم تحصل على مقابلة توظيف واحدة خلال الشهر التالي، رغم خبرتها المهنية السابقة في "أمازون"، وفقاً لشهادتها لـ"بيزنس إنسايدر".
وأنفقت تشاندا آلاف الدولارات لتسوية التزامات السكن والسفر وترتيبات الانتقال، لترتفع الكلفة الإجمالية المقدرة إلى 18 ألف دولار، بحسب "بيزنس إنسايدر".
فقدان الوظيفة ينهي رحلة مهنية
وفي حالة أخرى، عادت لوسيانا بيريرا، البالغة 26 عاماً، إلى العاصمة البيروفية ليما في مارس (آذار) 2026، بعدما فقدت وظيفتها في مجال التسويق بجامعة ولاية أوهايو، ولم تتمكن من العثور على صاحب عمل جديد يتولى رعاية تأشيرتها، وفقاً لـ"بيزنس إنسايدر".
وكانت بيريرا انتقلت إلى الولايات المتحدة في سن 17 عاماً بمنحة رياضية لممارسة التنس، وحصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير في إدارة الأعمال من جامعة فيندلي، قبل التحاقها بالعمل في جامعة ولاية أوهايو، والموافقة على تأشيرتها من فئة "H-1B" في أبريل (نيسان) 2024، بحسب المجلة.
وأُبلغت بيريرا في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بأن وظيفتها ستنتهي في الشهر التالي، لتبدأ البحث عن جهة عمل بديلة، لكنها واجهت صعوبات بسبب تزامن محاولاتها مع عطلة الشتاء الجامعية، فضلاً عن مخاوف أبداها أصحاب عمل محتملون بشأن التكاليف والإجراءات المرتبطة برعاية التأشيرات، وفقاً لروايتها لـ"بيزنس إنسايدر".
وبعد عودتها إلى بيرو، بدأت بيريرا العمل بصورة مستقلة في التسويق لحساب عميل أمريكي، إلى جانب تدريب لاعبي التنس وتطوير مشروع تجاري صغير، مشيرة إلى أنها لا تستبعد العودة إلى الولايات المتحدة مستقبلاً إذا توافر مسار واضح للحصول على الإقامة الدائمة، بحسب "بيزنس إنسايدر".
رسوم 100 ألف دولار أمام القضاء
تأتي هذه الحالات في ظل استمرار الجدل بشأن رسم إضافي يبلغ 100 ألف دولار فرضته إدارة ترامب في سبتمبر (أيلول) 2025 على فئات محددة من طلبات تأشيرات "H-1B" الجديدة، قبل تمديد الإجراء في سبتمبر 2026، فيما أوقفت أحكام قضائية اتحادية تحصيل الرسم بسبب مخالفات قانونية وإجرائية، وفقاً لوكالة "رويترز".
وكانت محكمة اتحادية في ماساتشوستس أبطلت في يونيو (حزيران) 2026 الإجراءات المنظمة لتحصيل الرسم، قبل أن تصدر محكمة أخرى في كاليفورنيا حكماً في 30 سبتمبر (أيلول) يمنع تطبيق السياسات المرتبطة به دون استكمال الإجراءات التنظيمية المطلوبة، بينما تواصل الإدارة الأمريكية الطعن في الأحكام، بحسب "رويترز".
وفي مسار منفصل، طرحت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية مقترحاً تنظيمياً لفرض رسم قدره 103 آلاف و265 دولاراً على بعض طلبات التأشيرات الخاضعة للسقف السنوي لبرنامج "H-1B"، لكنه لا يمثل رسماً نهائياً نافذاً، وفقاً للمقترح المنشور في السجل الفيدرالي الأمريكي خلال أغسطس (آب) 2026.
ضغوط على توظيف الكفاءات الأجنبية
وأوضحت متحدثة باسم البيت الأبيض أن الهدف من سياسة الرسوم المرتفعة هو تركيز رعاية التأشيرات على العمالة المؤقتة عالية التخصص، فيما أكدت وزارة العمل الأمريكية أن سياسات الإدارة تستهدف حماية الوظائف المحلية وزيادة الأجور، بحسب التصريحات التي نقلتها "بيزنس إنسايدر".
وفي المقابل، تظهر شهادات العاملين أن حالة عدم اليقين بشأن شروط التأشيرات وتكاليف رعايتها قد تعقد عملية الانتقال بين الوظائف، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الرسوم الجديدة مطبقة فعلياً، إذ يتعين على الشركات والموظفين مراعاة المتطلبات القانونية ومخاطر تغير السياسات، وفقاً لـ"بيزنس إنسايدر".
ويتيح برنامج "H-1B" للشركات والمؤسسات الأمريكية استقدام عاملين أجانب في وظائف متخصصة تتطلب عادة مؤهلات جامعية أو خبرات معادلة، وتخضع التأشيرة لشروط تتعلق بطبيعة الوظيفة وصاحب العمل وفترة الإقامة المصرح بها، وفقاً لدائرة خدمات الجنسية والهجرة الأمريكية.
كلفة اقتصادية تتجاوز الأجور
وتبرز الحالات التي وثقتها "بيزنس إنسايدر" أن فقدان الوظيفة بالنسبة إلى بعض العاملين الأجانب قد يرتب التزامات مالية إضافية لا يتحملها عادة العامل المقيم إقامة دائمة، بما يشمل الانتقال بين الدول وتسوية الالتزامات السكنية وإعادة تأسيس الحياة المهنية في سوق أخرى، وفقاً للمجلة.
لكن التجارب الفردية العشر لا تكفي لتحديد الحجم الإجمالي للخسائر الاقتصادية الناتجة عن تغير سياسات التأشيرات، أو قياس أعداد العاملين الذين غادروا الولايات المتحدة بسببها، إذ يتطلب ذلك بيانات شاملة عن التوظيف والهجرة وتكاليف الانتقال، في ضوء طبيعة الحالات التي تناولها تقرير "بيزنس إنسايدر".
وبذلك، تكشف اضطرابات برنامج "H-1B" عن تحديات تتجاوز تكاليف استقدام العمالة الأجنبية، لتشمل استقرار المسارات المهنية وقدرة الشركات على استبقاء الكفاءات الدولية، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة مراجعة سياسات الهجرة والتوظيف وسط نزاعات قضائية بشأن حدود الرسوم المفروضة على التأشيرات، وفقاً لـ"بيزنس إنسايدر" و"رويترز".