قد يتحول هجوم إلكتروني يستهدف أحد المصارف إلى أزمة سيولة تطال الشركات وعملاءها، حتى دون المساس بأرصدتهم، إذ يمكن لتعطل أنظمة المدفوعات أن يحرم المؤسسات مؤقتاً من استخدام أموالها، ويؤخر صرف الأجور وسداد مستحقات الموردين، ما يفرض عليها اللجوء إلى تمويل طارئ لمواجهة التزاماتها.
وفي ظل هذه المخاطر، اتفقت مجموعة الدول السبع على إجراء تدريبات لمحاكاة هجمات إلكترونية تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يعمل بنك إنجلترا مع المصارف على تعزيز خطط التعافي من الاختراقات، وفقاً لوكالة "رويترز".
وتتزايد أهمية هذه الإجراءات مع ارتفاع اعتماد القطاع المالي على الأنظمة الرقمية ومزودي الخدمات التكنولوجية، إذ حذّر مجلس الاستقرار المالي من أن الاستخدام المتسارع للذكاء الاصطناعي قد يفاقم المخاطر السيبرانية ويزيد الاعتماد على عدد محدود من الشركات التقنية، بما يهدد استمرارية الخدمات المالية الأساسية في حال تعرضها لاختراقات أو أعطال واسعة النطاق، وفقاً لتقرير المجلس بشأن تداعيات الذكاء الاصطناعي على الاستقرار المالي.
تعطل المدفوعات يهدد سيولة الشركات
لا يعني استمرار وجود الأموال في الحسابات المصرفية قدرة أصحابها على استخدامها في الوقت المطلوب، إذ قد يؤدي تعطل أنظمة الدفع والتحويل إلى عجز مؤقت عن الوفاء بالالتزامات المالية، حتى عندما تكون الأرصدة كافية لتغطيتها، وفقاً للتحليل الاقتصادي للخبير سعيد محمد.
ويوضح محمد أن تأخر تنفيذ المدفوعات قد يفرض على الشركات الاقتراض لتغطية الأجور ومستحقات الموردين، أو تأجيل بعض التزاماتها لحين استعادة الخدمات المصرفية، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين ملاءة البنك المالية وقدرته التشغيلية على تنفيذ المعاملات.
وقد تمتد تداعيات التعطل إلى شركات لم تتعرض أنظمتها للهجوم مباشرة، إذ يمكن لتأخر حصول الموردين على مستحقاتهم أن يضعهم أمام ضغوط تمويلية مماثلة، ما يوسع نطاق الأثر الاقتصادي بحسب مدة الانقطاع وحجم المدفوعات المتأخرة والاحتياطيات النقدية المتاحة، وفقاً لتقييم محمد.
وتشمل الكلفة الاقتصادية المحتملة للهجمات نفقات إصلاح الأنظمة واستعادة البيانات والتعويضات، إلى جانب كلفة التمويل الإضافي الذي قد تحتاجه الشركات للحفاظ على عملياتها، وهو ما يجعل الأثر المالي أوسع من الخسائر التقنية المباشرة، بحسب الخبير الاقتصادي.
الاعتماد على مزود واحد يضاعف المخاطر
تزداد احتمالات انتقال آثار الهجمات بين المؤسسات المالية عندما تعتمد مصارف وشركات عدة على مزود تكنولوجي مشترك، إذ حدد مجلس الاستقرار المالي الاعتماد على الأطراف الخارجية وتركز مزودي الخدمات والمخاطر السيبرانية ضمن أبرز مواطن الضعف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لتقريره الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.
وحذّر المجلس في تحديث نشره في أكتوبر 2025 من أن اعتماد المؤسسات المالية على عدد محدود من مزودي الحوسبة السحابية والنماذج المتقدمة والبنية التحتية التقنية قد يزيد صعوبة احتواء الأعطال، خصوصاً عندما تكون البدائل المتاحة محدودة أو يصعب الانتقال إليها سريعاً، وفقاً لمجلس الاستقرار المالي.
ويرى الخبير التقني، غسان محمود، أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تساعد المهاجمين على تسريع بعض مراحل الاختراق وتوسيع نطاق المحاولات، ما يقلص الوقت المتاح لاكتشاف الأنشطة الضارة واحتوائها.
ويشير محمود إلى أن حجم الضرر يتوقف على صلاحيات الوصول إلى الأنظمة الحساسة ومدى الفصل بينها وسرعة عزل الأجزاء المتضررة، محذراً من أن الاعتماد على مزود تقني مشترك قد يجعل استعادة الخدمات المصرفية مرتبطة بقدرة طرف خارجي على إصلاح أنظمته.
"السبع" تحاكي الهجمات الإلكترونية
وفي مواجهة هذه التحديات، اتفق وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة الدول السبع على إجراء تدريبات تحاكي هجمات إلكترونية تستخدم الذكاء الاصطناعي، بهدف اختبار جاهزية المؤسسات المالية وآليات الاستجابة والتنسيق عند وقوع اضطرابات واسعة النطاق، وفقاً لوكالة "رويترز" في 16 أكتوبر 2026.
وأوضحت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن "التدريبات ستساعد السلطات المالية على تقييم الإجراءات الحالية وتطوير خطط الاستجابة"، مع إمكان مشاركة مؤسسات مالية من القطاع الخاص واستخدام النتائج لتحديث أدلة التعامل مع الأزمات السيبرانية، بحسب "رويترز".
وسبق لمجموعة السبع تنفيذ تدريب للتنسيق السيبراني عبر الحدود، اختُتم في 18 مايو (أيار) 2026، وركز على تحسين التواصل والاستجابة والتعافي وإدارة الأزمات بين السلطات المالية، ضمن استراتيجية طويلة الأجل لزيادة وتيرة هذه الاختبارات، وفقاً لبيان أصدره بنك كندا في 31 يوليو (تموز) 2026.
بنك إنجلترا يعزز خطط التعافي
وفي بريطانيا، يعمل بنك إنجلترا مع المؤسسات المصرفية على تطوير خطط للتعافي من الهجمات الإلكترونية المتقدمة، تشمل القدرة على إعادة تشغيل الأنظمة انطلاقاً من بيئات تقنية موثوقة، حتى إذا تعرضت البنية التشغيلية الأساسية للاختراق، وفقاً لوكالة "رويترز" في 15 أكتوبر.
وحذّرت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، في تقارير سابقة، من أن المؤسسات المالية لم يعد بإمكانها افتراض أن أنظمتها محصنة بالكامل ضد الاختراقات، خصوصاً مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي وإمكان استخدامها لتنفيذ هجمات تتجاوز ضوابط الحماية التقليدية، بحسب "رويترز".
كما أجرى القطاع المالي البريطاني في 8 أكتوبر تدريباً واسعاً لمحاكاة تعطل عالمي لخدمات الحوسبة السحابية، بمشاركة 38 من أكبر المصارف ومشغلي البنية التحتية للأسواق المالية، إلى جانب السلطات التنظيمية، بهدف اختبار قدرة القطاع على إدارة اضطرابات التشغيل المشتركة، وفقاً لبيان بنك إنجلترا الصادر في 9 أكتوبر.
سلامة البيانات شرط لاستعادة المدفوعات
لا تتوقف جاهزية المصارف على امتلاك نسخ احتياطية من البيانات، بل تتطلب التأكد من إمكان استعادتها بصورة سليمة والتحقق من الأرصدة وسجلات المعاملات قبل إعادة تشغيل الخدمات، حتى لا يؤدي التعافي المتسرع إلى تكرار الأخطاء أو تنفيذ عمليات دفع استناداً إلى معلومات غير موثوقة، وفقاً للتقييم التقني لغسان محمود.
ويؤكد محمود أهمية اختبار القنوات البديلة للتأكد من قدرتها على معالجة المعاملات الأساسية واستيعاب الطلب المتراكم عند تعطل الأنظمة الرئيسية، مع مراعاة التوازن بين سرعة استئناف العمل وسلامة العمليات المالية.
وتتوافق هذه المتطلبات مع توجه بنك إنجلترا لتعزيز المرونة التشغيلية لأنظمة المدفوعات ومقدمي الخدمات الأساسية، إذ شدد في إرشاداته الصادرة في يونيو (حزيران) 2026 على أهمية تحديد الحدود المقبولة لتعطل الخدمات وتطوير إجراءات الاستجابة والتعافي، وفقاً للبنك المركزي البريطاني.
الخسائر المتجنبة مقياس الجاهزية
تتحدد الجدوى الاقتصادية للاستثمار في الأمن السيبراني والمرونة التشغيلية بقدرته على تقليص مدة انقطاع الخدمات والاحتياجات التمويلية الطارئة وتراكم المعاملات والتعويضات المحتملة، وليس بحجم الإنفاق التقني وحده، وفقاً لتقييم الخبير الاقتصادي سعيد محمد.
ويضيف محمد أن التواصل الواضح مع العملاء يمثل جزءاً من إدارة الأزمة، إذ قد يؤدي غياب المعلومات الدقيقة بشأن طبيعة العطل وموعد استعادة الخدمات إلى زيادة القلق بشأن سلامة الودائع، وربما ارتفاع طلبات السحب والتحويل عند استئناف العمل.
وفي هذا السياق، دعا مجلس الاستقرار المالي السلطات الرقابية والمؤسسات المالية إلى تعزيز متابعة مخاطر الذكاء الاصطناعي وتحسين قدرات الاستجابة والتعافي، مع إيلاء اهتمام خاص لمزودي الخدمات التقنية الذين تعتمد عليهم مؤسسات مالية متعددة، وفقاً لبيان أصدره المجلس في أغسطس (آب) 2026.
وبذلك، لا تقتصر أهمية تدريبات مجموعة السبع وخطط بنك إنجلترا على مواجهة الاختراقات الإلكترونية، بل تمتد إلى حماية استمرارية المدفوعات والحد من انتقال اضطرابات التشغيل إلى سيولة الشركات والأسواق، فيما تبقى فعالية هذه الإجراءات مرهونة بنتائج الاختبارات وقدرة المؤسسات على استعادة خدماتها دون الإخلال بسلامة المعاملات، وفقاً لمعطيات بنك إنجلترا ومجلس الاستقرار المالي.