لم تعد زيادة الرواتب تعني بالضرورة امتلاك الأسر البريطانية أموالاً أكثر للإنفاق والادخار، فارتفاع تكاليف السكن والغذاء والالتزامات المالية يستحوذ على جانب كبير من الدخل، ويحد من قدرة الأسر على الحفاظ على مستوى معيشتها رغم تحسن أجورها.

وكشف تقرير نشرته "فايننشال تايمز" الأربعاء، نقلاً عن مركز البحوث الاقتصادية والتجارية البريطاني (CEBR)، تراجع الأموال المتاحة للإنفاق لدى الشريحة متوسطة الدخل قرابة 25% خلال عقد، فيما تشير أحدث البيانات الرسمية إلى نمو محدود للأجور الحقيقية.

الرواتب والتضخم

أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، الصادرة أمس الثلاثاء، ارتفاع متوسط الأجور الأساسية والإجمالية 3.7% سنوياً خلال الفترة من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب) 2026.

لكن نمو الأجور بعد احتساب التضخم اقتصر على 0.6% للأساسية و0.7% للإجمالية، وفق المؤشر الذي يشمل تكاليف سكن المالكين.

وفي بيانات أحدث صدرت اليوم الأربعاء، كشف المكتب تسارع التضخم إلى 3.5% في سبتمبر (أيلول)، مقابل 3.1% في أغسطس، مدفوعاً خصوصاً بارتفاع أسعار وقود السيارات.

فجوة الإنفاق

ووفق بيانات مركز CEBR التي أوردتها "فايننشال تايمز"، تراجعت القدرة على الإنفاق الاختياري لدى الخُمس الأوسط من الأسر قرابة 25% بالقيمة الحقيقية خلال عشر سنوات.

ولا يتبقى لهذه الشريحة سوى قرابة 90 جنيهاً إسترلينياً أسبوعياً بعد الضرائب والاحتياجات الأساسية، مقابل مبلغ يعادل 10 أضعاف ذلك لدى الخُمس الأعلى دخلاً.

أما الخُمس الأقل دخلاً، فيواجه عجزاً أسبوعياً يبلغ 75 جنيهاً عن تغطية احتياجاته الأساسية، بحسب المركز.

ويشير مؤشر القدرة الشرائية الصادر عن سلسلة "أسدا" بالتعاون مع المركز إلى أن متوسط الأموال المتبقية للأسر البريطانية بلغ 260 جنيهاً أسبوعياً في أغسطس، مع تباطؤ نموها السنوي إلى 3.4%.

كم تكلف المعيشة؟

وفي محاولة لقياس تكلفة الحفاظ على نمط حياة الطبقة المتوسطة، أعد الكاتب الاقتصادي في "فايننشال تايمز"، جوناثان غوثري، ثلاثة سيناريوهات افتراضية لأسر بريطانية، تشمل السكن والتعليم والنقل والغذاء والمعاشات التقاعدية.

ووفق حساباته، تحتاج أسرة في مانشستر إلى دخل إجمالي سنوي يبلغ 72 ألف جنيه لتغطية نفقات مقدرة بـ56 ألفاً، بينما يرتفع الدخل المطلوب لأسرة في جنوب لندن إلى 150 ألف جنيه لتغطية مصاريف تبلغ 99 ألفاً.

أما السيناريو الأعلى إنفاقاً، الذي يشمل منزلين وتعليم طفلين في مدارس خاصة، فيتطلب دخلاً إجمالياً يبلغ 436 ألف جنيه لتغطية نفقات قدرها 216 ألفاً، مع مراعاة الضرائب والمساهمات التقاعدية.

وهذه تقديرات وضعها الكاتب لأسر افتراضية تختلف ظروفها وأنماط إنفاقها، ولا تمثل متوسط تكاليف المعيشة في بريطانيا.

ضغوط متراكمة

ويربط تقرير الصحيفة ارتفاع النفقات بتكاليف السكن والتمويل والتعليم والمعاشات والضرائب.

وبحسب مكتب الإحصاء البريطاني، ارتفعت تكاليف معيشة الأسر غير المتقاعدة 33.2% خلال السنوات الخمس المنتهية في يونيو 2026، مقابل 31.9% للأسر المتقاعدة.

ورغم الضغوط، أظهرت بيانات المكتب الصادرة في أكتوبر (تشرين الأول) ارتفاع وسيط الدخل الحقيقي المتاح للأسر 3.5% إلى 39.2 ألف جنيه خلال السنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2025.

وتكشف هذه المؤشرات تبايناً في قدرة الأسر على مواجهة المصاريف، لكنها لا تثبت تقلص حجم الطبقة المتوسطة من حيث عدد المنتمين إليها.