تواجه الصين مؤشرات متزايدة على الدخول في مرحلة طويلة من التباطؤ الاقتصادي والانكماش السعري، في مسار يستحضر تجربة اليابان عقب انهيار فقاعة العقارات عام 1990، رغم استمرار قوة الصادرات الصينية والاستثمارات الحكومية في التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وتتزايد المخاوف مع تراجع ثقة المستهلكين، وضعف الإنفاق، وانخفاض أسعار العقارات، وارتفاع بطالة الشباب، إلى جانب تفاقم الضغوط الديموغرافية وارتفاع مستويات الدين.
وتشير تقديرات "كابيتال إيكونوميكس" إلى أن إجمالي الدين العام والخاص في الصين يقترب من 300% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أظهر مؤشر "اليابنة" الذي حدّثه "غولدمان ساكس" أن الاقتصاد الصيني كان، خلال السنوات الخمس الماضية، أكثر شبهاً بالاقتصاد الياباني في مرحلة الركود منه باليابان نفسها.
200 مليار دولار تعيد رسم خريطة الصناعة.. الصين تنقل مصانعها إلى العالم - موقع 24أنفقت الشركات الصينية أكثر من 200 مليار دولار على بناء مصانع خارج البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، في توسع صناعي يمتد من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
تراجع الاقتراض والاستثمار
وتتجلى هذه الضغوط في حرب الأسعار التي تخوضها المطاعم الصينية لاستقطاب مستهلكين أكثر حرصاً على الإنفاق، وفي تراجع الطلب على الاقتراض والاستثمار. كما انخفضت بدايات بناء المساكن الجديدة 78% عن ذروتها، وفقاً لتقديرات "ماكواري"، بعد انفجار فقاعة عقارية كانت، في ذروتها، تمثل نحو ثلث الاقتصاد الصيني، وفقاً لـ"فاينانيشال تايمز".
وأدى انهيار القطاع العقاري إلى ما يسميه الاقتصادي ريتشارد كو "ركود الميزانيات العمومية"، إذ تفضّل الأسر والشركات سداد الديون والاحتفاظ بالسيولة بدلاً من الاقتراض والإنفاق والاستثمار. وتؤدي هذه الظاهرة، مع ضعف الطلب والانكماش السعري، إلى حلقة مفرغة تثبط الاستثمار وتضغط على الأجور وفرص العمل.
وبلغت بطالة الشباب 18.9% في أغسطس (آب) الماضي، وفق البيانات الرسمية، فيما تراجعت القروض المصرفية القائمة باليوان بنسبة سنوية 4.8% في سبتمبر الماضي، وهو أضعف نمو مسجل. كما انخفضت القروض الموجهة للأسر فعلياً، للمرة الأولى في تاريخ البيانات، حتى أغسطس، في مؤشر إلى تنامي الحذر المالي.
اليابان تبحث عن مشترين لـ120 مليار دولار من السندات - موقع 24ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 3%، للمرة الأولى منذ عام 1996، مقارنة بنحو 2% في يناير (كانون الثاني)، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية وتزايد احتياجات الحكومة التمويلية. وتواجه اليابان تحدياً في تأمين الطلب على إصدارات جديدة من السندات الحكومية بقيمة تناهز 120 مليار ...
العقد الأول الضائع
وتحذر تقديرات اقتصادية من احتمال أن تكون الصين قد قطعت نصف الطريق نحو "عقدها الضائع" الأول، مع مخاطر امتداد الركود الهيكلي إلى عقدين أو ثلاثة. غير أن مؤشرات الاختلاف عن التجربة اليابانية لا تزال قائمة؛ إذ سجل الاقتصاد الصيني نمواً سنوياً 4.5% في الربع الثالث، مدفوعاً بدرجة كبيرة بالصادرات.
وارتفعت الصادرات الصينية الإجمالية 52% منذ بدء التوترات التجارية مع الولايات المتحدة عام 2018، فيما تجاوز الفائض التجاري 1.2 تريليون دولار العام الماضي، وهو مستوى قياسي عالمياً. كذلك ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة الصناعية العالمية إلى 28% في 2024، مقارنة بـ23% لليابان عام 1995، قبل تراجع حصتها لاحقاً.
وتراهن بكين على أن الاستثمار في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم سيعزز القدرة التنافسية طويلة الأجل، ويمنع تكرار تجربة اليابان التي تراجعت حصتها الصناعية العالمية مع انكفاء الشركات عن الاستثمار خلال سنوات الركود. لكن هذا الرهان يواجه مخاطر تصاعد القيود التجارية الأمريكية والأوروبية على الصادرات الصينية منخفضة الأسعار.
ويرى اقتصاديون أن معالجة الأزمة تتطلب تحفيز الطلب المحلي بدلاً من الاعتماد المفرط على الصادرات وخفض أسعار الفائدة. ويقترحون توسيع الإنفاق المالي، ورفع دخول الأسر، ومعالجة الأسباب الهيكلية وراء ارتفاع الادخار، الذي يقدّر بأنه يقارب ضعف مستواه في اليابان مطلع الثمانينيات. أما الدعم الحكومي الحالي لشراء السلع الاستهلاكية، فيُنظر إليه على أنه قد يعجّل بالإنفاق أكثر مما يرفع الدخل بصورة مستدامة.
بحصة 96% عالمياً.. 4 شركات صينية تكتسح سوق الطابعات ثلاثية الأبعاد - موقع 24قفزت حصة الصين من السوق العالمية للطابعات ثلاثية الأبعاد الموجهة للهواة من 19% قبل عقد إلى 96% حالياً، فيما نمت صادراتها من هذه الأجهزة بنسبة 90% خلال النصف الأول من عام 2026، متقدمة على منتجات تحظى باهتمام عالمي، من السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم أيون إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر.
74 مليون دخلوا سوق العمل
منذ 2022 بدأ عدد سكان الصين يتراجع، مع توقعات بأن يكون الانخفاض أشد من التجربة اليابانية. ويشير تقدير "غافيكال دراغونوميكس" إلى أن 74 مليون صيني دخلوا سوق العمل بعد إتمام تعليمهم منذ ذلك العام، وسط آفاق وظيفية أقل جاذبية وتراجع ثقة الشباب بجدوى شراء العقارات، بعد هبوط أسعارها 30% إلى 40% خلال خمس سنوات في بعض التقديرات.
وتبقى مستويات الاستثمار المرتفعة ومواصلة تراكم الديون مصدر قلق إضافياً؛ إذ بلغ تكوين رأس المال الثابت الإجمالي 40% من الناتج المحلي في 2024، مقابل 28% في اليابان و22% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويتوقع "جولدمان ساكس" أن يبلغ العجز المالي الموسع 11% من الناتج المحلي هذا العام.
وفي حين يرى بعض الاقتصاديين أن الصين لا تزال تمتلك مساحة مالية لتحفيز الاستهلاك وإنعاش العقارات، يحذر آخرون من أن تأجيل معالجة الاختلالات سيعمق الأزمة. وقد يتراجع النمو الصيني إلى ما بين 2% و 2.5% سنوياً خلال العقد المقبل، وفق تقديرات "أوكسفورد إيكونوميكس"، ما سيضعف فرص بكين في تجاوز الاقتصاد الأمريكي، ويحوّل التباطؤ الحالي إلى تحدٍ هيكلي طويل الأمد.