في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية بين واشنطن وبكين، وتحرك الولايات المتحدة الحثيث لكسر القبضة الصينية المحكمة على إمدادات "المعادن النادرة"، برز اتجاه استثماري جديد يراهن على "الخردة" كأسرع شريان لتأمين الموارد الاستراتيجية.

في قلب سهول ولاية "أيوا" الأمريكية، لم تعد توربينات الرياح القديمة مجرد هياكل خارجة عن الخدمة، بل تحولت إلى "مناجم فوق الأرض" تستقطب شركات تدوير متخصصة تلاحق المكونات المغناطيسية الضخمة المختبئة داخلها.

وأوضحت وول ستريت جورنال أن توربينات الرياح التي يتم تفكيكها وإزالتها في مزرعة "هايلاند" للرياح بمقاطعة أوبراين بولاية أيوا تعد بالنسبة للرئيس التنفيذي لشركة "بالادين إنفييروتيك"، برايان ديسلهورست، كنزاً ثميناً ومصدراً لا ينضب.

وبحسب الصحيفة، تتطلع شركة "بالادين إنفييروتيك" المختصة في إعادة التدوير إلى ممارسة دور جديد كمزوّد للمعادن النادرة.

وأفادت بأن هذه الخطوة تعد جزءاً من سعي الولايات المتحدة لتقليل اعتمادها على الصين للحصول على العناصر النادرة، والتي تدخل في تصنيع كل شيء بدءاً من الطائرات المسيرة (الدرونز) وصولًا إلى أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. وتُعد "بالادين" واحدة من بين مشاريع معدودة تراهن على أن أسرع طريق للوصول إلى إمدادات جديدة من هذه المعادن يمر عبر "الخردة".

وتُستخدم المعادن النادرة مثل "الديسبروسيوم" و"النيوديميوم" في تصنيع المغناطيسات القوية الداخلة في المحركات الكهربائية. ورغم أن "ديسلهورست" ينشط في سوق الأجهزة الإلكترونية المنتهية الصلاحية، إلا أن توربينات الرياح المتهالكة تظل هدفه الأول والأساسي، إذ تحتوي مولداتها الضخمة في بعض الحالات على مغناطيسات هائلة من العناصر النادرة.

وتُقدر شركة "بالادين" أن بعض الطرازات الأحدث يمكن أن تحتوي على ما يقرب من طن من المعادن النادرة، بقيمة تقارب 100 ألف دولار، وفقاً لوول ستريت جورنال.

وذكرت WSJ أنه مع تقادم طرازات محطات الرياح الأمريكية، هناك آلاف التوربينات التي وصلت إلى نهاية عمرها التشغيلي في انتظار تفكيكها واستغلالها. وعلى الرغم من أن نسبة صغيرة فقط من الطرازات المبكرة تحتوي على عناصر نادرة، إذ تحتوي 20% فقط من التوربينات التي يتم استبدالها في منشأة "هايلاند" على هذه المعادن، إلا أنها أصبحت عنصراً شائعاً في التوربينات الأحدث والأكثر قوة. وتمر هذه التوربينات الآن بمرحلة الاستبدال، ما يجعل هذا المصدر من النفايات يكتسب قيمة متزايدة تدريجياً.

الصين تسيطر على سوق المعادن النادرة

أرست الصين سيطرتها المطلقة على سوق العناصر النادرة على مدى عقود عبر تقديم الدعم المالي للشركات المحلية وإغراق الأسواق لإحباط المنافسين الناشئين. وفي العام الماضي، ومع تصاعد حدة الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، استعرضت بكين نفوذها بفرض قيود على الصادرات، ما كشف بشكل جلي حجم اعتماد المصنعين الغربيين على الصين.

وتنتج الصين أكثر من 90% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، واستغلت هيمنتها في السوق لتعزيز موقفها في الحرب التجارية مع واشنطن.

التحرر من قبضة بكين

بحسب وول ستريت جورنال "تُمثل مشاريع إعادة التدوير جزءاً رئيسياً من مساعي التحرر من هذه قبضة بكين. ورغم أن إدارة ترامب تضخ مليارات الدولارات لدعم مشاريع التعدين والمعادن، إلا أن هذه الاستثمارات ستستغرق سنوات حتى تؤتي ثمارها".

وكان الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلن في فبراير (شباط) الماضي أن الولايات المتحدة ستنشئ احتياطياً استراتيجياً بقيمة 12 مليار دولار من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى، بهدف تقليل الاعتماد على الصين، التي تتحكم في معظم عمليات تكرير هذه المعادن.

وقال ترامب إن الهدف من الاحتياطي هو منع حدوث نقص في الإمدادات للشركات الأمريكية.

وسيأتي الجزء الأكبر من التمويل، البالغ 10 مليارات دولار، من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، فيما سيتولى المستثمرون الخاصون تغطية الملياري دولار المتبقية.

وبموجب الخطة، ستتمكن الشركات الأمريكية من شراء المعادن الحيوية من الاحتياطي بأسعار متفق عليها مسبقاً، ما يحميها من تقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات العالمية.

وتستخدم العناصر الأرضية النادرة في مجموعة واسعة من المنتجات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك المغناطيسات والمركبات الكهربائية والإلكترونيات. وتشمل المعادن الأخرى المصنفة كحيوية الليثيوم والكوبالت.

من جهة أخرى، كانت الحكومة الأمريكية قد استحوذت على حصة أقلية في شركة لتعدين معادن الأرض النادرة، في ولاية أوكلاهوما، سعياً لتقليل الاعتماد على الواردات من هذه المعادن التي تستخدم في الصناعة بدءاً من الهواتف الذكية، والروبوتات، والمركبات الكهربائية، إلى العديد من المنتجات التقنية المتقدمة الأخرى.