تثير موجات الاحتجاجات والإضرابات التي تشهدها دول أوروبية مخاوف من امتداد الاضطرابات الاقتصادية إلى دول المغرب العربي، ولا سيما المغرب وتونس والجزائر، في ظل العلاقات التجارية والاستثمارية الوثيقة بين ضفتي البحر المتوسط، واحتمال تأثر حركة السلع والسياحة وسلاسل الإمداد إذا استمرت الاضطرابات أو اتسعت إلى قطاعات اقتصادية حيوية، وفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية ومكتب الصرف المغربي.

وتشهد دول أوروبية، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، احتجاجات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والأجور والسكن والخدمات العامة، تخللت بعضها إضرابات أثرت في قطاعات الإنتاج والنقل والطاقة، وفقاً لتغطيات وكالة "فرانس برس" ووكالة "رويترز" التي تناولها موقع 24 خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

لماذا تهم احتجاجات أوروبا اقتصادات المغرب العربي؟
ترتبط اقتصادات المغرب العربي بالأسواق الأوروبية من خلال صادرات المنتجات الصناعية والزراعية، وواردات المعدات والمواد الأولية، فضلاً عن الاستثمارات والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج، ما يجعل استمرار النشاط الاقتصادي الأوروبي عاملاً مهماً لاستقرار هذه التدفقات، بحسب بيانات التجارة والاستثمار المنشورة لدى المفوضية الأوروبية.

ولا تعني الاحتجاجات بحد ذاتها وقوع خسائر اقتصادية في الدول المغاربية، لكن امتداد الإضرابات إلى الموانئ والمصانع وشركات النقل قد يؤدي إلى تأخر الشحنات والطلبيات الصناعية، بينما يمكن أن تؤثر اضطرابات المطارات والرحلات الجوية في حركة السياحة، وهي مخاطر تتوقف على مدة الاضطرابات ونطاقها.

المغرب.. ارتباط تجاري واسع بأوروبا
استحوذت القارة الأوروبية على 59.8% من إجمالي المبادلات التجارية للمغرب خلال 2025، مقابل 62% في 2024، فيما استقبلت 69.7% من صادرات المملكة، ووفرت 54.2% من وارداتها، وفقاً للتقرير السنوي لمكتب الصرف المغربي الذي نقلته وكالة المغرب العربي للأنباء عبر موقع "SNRT".

وبلغت قيمة المبادلات التجارية المغربية مع أوروبا 773.1 مليار درهم في 2025، بزيادة 2.4% مقارنة بالعام السابق، واستحوذت دول الاتحاد الأوروبي على 85.8% من هذه المبادلات، بحسب بيانات مكتب الصرف المغربي.

وتصدرت إسبانيا الشركاء الأوروبيين للمغرب بحصة 27.5% من المبادلات مع القارة، تلتها فرنسا بنسبة 21.1%، ثم ألمانيا بنسبة 8.9%، وتركيا بنسبة 7.3%، وإيطاليا بنسبة 7.1%، وفقاً لمكتب الصرف المغربي.

وتوضح هذه الأرقام مدى ارتباط الصناعات المغربية بالأسواق الأوروبية، خصوصاً قطاعات السيارات والمكونات الصناعية والمنسوجات والمنتجات الزراعية، ما يجعل أي تعطل ممتد في النقل أو الإنتاج الأوروبي عاملاً محتملاً لتأخير الصادرات والواردات، بحسب هيكل التجارة الخارجية الذي تعرضه المفوضية الأوروبية ومكتب الصرف المغربي.

70 مليار يورو على المحك مع تأثر السياحة في فرنسا بأعمال العنف - موقع 24ألقت الصور المتداولة عالمياً لأعمال الشغب في فرنسا بظلالها على قطاع السياحة في البلاد، وسط مخاوف من تداعيات أشد وطأة، إذا تجددت أعمال العنف.

السياحة المغربية أمام مخاطر اضطراب السفر
استقبل المغرب 19.8 مليون سائح خلال 2025، بزيادة 14% مقارنة بالعام السابق، فيما بلغت عائدات السياحة نحو 138 مليار درهم، بارتفاع 21%، وفقاً لبيانات وزارة السياحة المغربية ومكتب الصرف التي نقلتها وكالة المغرب العربي للأنباء.

وتبرز أهمية استقرار حركة السفر الأوروبية بالنسبة إلى القطاع السياحي المغربي، إذ قد يؤدي استمرار الإضرابات في المطارات وشركات الطيران إلى تأجيل بعض الرحلات أو إلغائها، بما ينعكس على الحجوزات والخدمات السياحية، دون أن تتوافر بيانات موثقة تثبت وقوع تراجع في السياحة المغربية بسبب الاحتجاجات الأوروبية الأخيرة.

احتجاجات فرنسا.. خسائر تتخطى مليار يورو وخلاف حول فاتورة التعويضات - موقع 24تتسع فاتورة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها فرنسا خلال الأيام الماضية، مع ارتفاع عدد المتاجر والشركات المتضررة إلى أكثر من 3 آلاف منشأة، وسط تقديرات بأن تصل خسائر شركات التأمين إلى 1.2 مليار يورو، في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية ضغوطاً مالية متزايدة بسبب ارتفاع الديون ...

تونس.. الصادرات الصناعية الأكثر انكشافاً
يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لتونس، إذ استحوذ على 59.5% من إجمالي تجارتها خلال 2025، واستقبل 73.2% من صادراتها، فيما وفر 49.6% من وارداتها، وفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية.

وبلغت المبادلات السلعية بين تونس والاتحاد الأوروبي نحو 26 مليار يورو في 2025، منها واردات أوروبية من تونس بقيمة 13.4 مليار يورو، شملت الآلات والأجهزة بقيمة 6 مليارات يورو والمنسوجات بنحو 2.5 مليار يورو، بحسب المفوضية الأوروبية.

كما استحوذ الاتحاد الأوروبي على 85% من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس، ما يعكس أهمية الشركات الأوروبية في تمويل الأنشطة الإنتاجية، ويجعل استمرار الطلب والاستثمار الأوروبيين عاملين مؤثرين في أداء الاقتصاد التونسي، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

وفي حال أدت الإضرابات إلى تعطيل المصانع الأوروبية أو شبكات النقل لفترات طويلة، فقد تتأثر الشركات التونسية المرتبطة بسلاسل التوريد الصناعية، ولا سيما مورّدي المكونات الكهربائية والمنسوجات، غير أن تحديد حجم أي أثر فعلي يتطلب بيانات عن الإنتاج والطلبيات والصادرات.

 الطاقة في قلب العلاقة الاقتصادية
يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للجزائر، بحصة بلغت 49.6% من تجارتها الدولية خلال 2025، فيما وصلت قيمة المبادلات السلعية بين الطرفين إلى 43.4 مليار يورو، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

وبلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الجزائر 26.5 مليار يورو خلال العام نفسه، مع حضور رئيسي لمنتجات الطاقة والمواد المعدنية، ما يجعل عائدات الصادرات الجزائرية مرتبطة بتطورات الطلب الأوروبي وأسعار النفط والغاز، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية.

وقد يؤدي تباطؤ النشاط الصناعي الأوروبي إلى تقليص الطلب على الطاقة، بما يضغط على إيرادات الجزائر التصديرية، في حين يمكن أن تسهم اضطرابات الإمدادات في رفع الأسعار ودعم الإيرادات، وفقاً لحجم الصادرات والأسعار السائدة، وهي احتمالات لا يمكن الجزم بنتائجها دون بيانات سوقية فعلية.

وفي المقابل، قد تواجه الشركات الجزائرية تأخراً في استيراد المعدات والآلات والمواد الصناعية إذا امتدت الإضرابات إلى الموانئ وشبكات النقل الأوروبية، نظراً إلى أهمية الاتحاد الأوروبي في التجارة الخارجية الجزائرية، وفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية.

من الأكثر عرضة للتأثر؟
تُظهر بيانات التجارة الخارجية أن تونس ترتبط بدرجة مرتفعة بالطلب الأوروبي على صادراتها، بينما يتمتع المغرب بعلاقات تجارية وسياحية وصناعية واسعة مع القارة الأوروبية، في حين يرتبط تعرض الجزائر بصورة أكبر بتطورات سوق الطاقة والتجارة السلعية، وفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية ومكتب الصرف المغربي.

ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها لتحديد الدولة الأكثر تضرراً من الاحتجاجات، إذ يعتمد حجم التأثير على القطاعات التي تشملها الإضرابات ومدتها ومدى استمرار حركة النقل والإنتاج والطلب في الأسواق الأوروبية.

وتمثل الاضطرابات الأوروبية اختباراً محتملاً لمرونة العلاقات الاقتصادية بين ضفتي المتوسط، لكن الحكم على انعكاساتها الفعلية في اقتصادات المغرب العربي يستلزم متابعة بيانات الصادرات والإنتاج والسياحة والتحويلات والاستثمار خلال الفترة المقبلة، بدلاً من افتراض حدوث خسائر لم تثبتها المؤشرات المنشورة.