تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، لكنها تواجه مفارقة اقتصادية تتمثل في إنفاق مليارات الدولارات على استيراد الوقود، بالتزامن مع نقص الإمدادات في بعض مناطق البلاد. ولا ترتبط الأزمة بحجم الثروة النفطية فقط، بل بقدرة منظومة التكرير والاستيراد والتوزيع على تلبية الطلب، في ظل دعم حكومي يخلق حوافز للتهريب ويزيد كلفة الإمدادات على المالية العامة.

وفي إحاطة الأمم المتحدة بشأن واردات الوقود والتهريب في ليبيا أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر(تشرين الأول) الحالي، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، إن واردات الوقود بلغت 8.15 مليون طن متري خلال الفترة من يناير(كانون الثاني) إلى سبتمبر(أيلول) 2026، بكلفة وصلت إلى 8.9 مليار دولار. وقدّرت أن ما بين 30% و50% من هذه الواردات يُفقد بسبب التهريب، بما يعادل خسائر تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار. وهذه تقديرات أممية لحجم التسرب، وليست حصيلة نهائية مدققة.

ثروة نفطية وقدرة تكرير محدودة

لا يعني امتلاك النفط الخام أن الدولة قادرة تلقائياً على توفير البنزين والديزل محلياً؛ فذلك يتطلب طاقة تكرير كافية، ومنظومة فعالة لتحويل الخام إلى مشتقات تلبي احتياجات السوق.

يشير تقرير لصندوق النقد الدولي عن ليبيا، صادر عام 2025، إلى أن محدودية قدرات التكرير تجعل البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود. ووفق التقرير، إذ ارتفعت قيمة واردات الوقود من متوسط سنوي نحو 3 مليارات دولار خلال الفترة 2016–2019 إلى قرابة 9 مليارات دولار في 2024. كما تغطي الواردات نحو 90% من استهلاك البنزين و70% من استهلاك الديزل، وفق تقديرات التقرير.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة بين إنتاج النفط الخام والقدرة على توفير مشتقاته للسوق المحلية، بما يجعل أمن الإمدادات مرتبطاً أيضاً بتكاليف الاستيراد وترتيبات التوريد وكفاءة التوزيع الداخلي.

فيما تضيف سياسة دعم الوقود بُعداً آخر إلى الأزمة؛ فالأسعار المحلية المنخفضة مقارنة بأسعار الأسواق المجاورة تخلق حافزاً اقتصادياً لإعادة بيع الوقود خارج القنوات الرسمية. ويشير صندوق النقد الدولي، في تقريره عن ليبيا الصادر عام 2025، إلى أن انخفاض الأسعار وضعف الرقابة على التوزيع يسهمان في تحويل الوقود المدعوم إلى السوق السوداء وعبر الحدود، بما يحد من وصول الإمدادات إلى المستهلكين المستهدفين ويرفع كلفة الدعم على الدولة.

وتشير هانا تيتيه في إحاطتها أمام مجلس الأمن إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية للوقود منذ منتصف العام، ولا سيما الديزل، زاد الحافز لتحويل الوقود المدعوم إلى أسواق أخرى. ولا يقتصر التحدي على ضبط الحدود، بل يشمل أيضاً مراقبة الكميات التي تدخل شبكة التوزيع والتحقق من وجهتها النهائية.

وفي تقريرها بشأن ليبيا، رصدت لجنة خبراء الأمم المتحدة ارتفاع الاستهلاك المُعلن للديزل بنسبة 66.3% في 2022، مقارنة بزيادة سنوية متوسطة 3.6% خلال الفترة 2018–2021. ولا يثبت هذا الارتفاع وحده حجم التهريب، لكنه يثير تساؤلات بشأن دقة تقدير الطلب المحلي وآليات التحقق من احتياجات الجهات المستهلكة، ومطابقة الكميات الموردة مع الاستخدام الفعلي.

أزمة إمدادات تتجاوز الواردات

لا تضمن زيادة واردات الوقود توافره في جميع المناطق إذا تعثّر وصوله عبر قنوات التوزيع. وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر، أشارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، إلى استمرار نقص الوقود والكهرباء، خصوصاً في جنوب البلاد، بالتزامن مع الخسائر المالية الناجمة عن تهريب الوقود المدعوم والضغوط المتزايدة على المالية العامة.

إصلاح المنظومة 

تبدأ معالجة أزمة الوقود في ليبيا من إحكام إدارة الإمدادات، لا من زيادة الواردات وحدها. ويشير تقرير صندوق النقد الدولي عن ليبيا 2025، إلى أن محدودية قدرات التكرير والاعتماد على الاستيراد، إلى جانب اختلالات نظام الدعم وضعف الرقابة على التوزيع، تسهم في ارتفاع الأعباء المالية وتوفر حوافز للتهريب. ويقترح التقرير إعادة تنظيم منظومة التوزيع والتحصيل، وتعزيز الرقابة الرقمية على حركة الوقود من الإنتاج والتخزين إلى نقاط البيع، والتحقق من الاحتياجات الفعلية قبل تحديد كميات الاستيراد.

وتبرز هذه المعطيات أن ضمان توافر الوقود لا يتوقف على حجم الواردات فحسب، بل يتطلب أيضاً الحد من تسرب الإمدادات وتحسين كفاءة توزيعها، بالتوازي مع معالجة كلفة الدعم وآثاره المالية والاجتماعية.