مع إتمامه 100 يوم فقط في منصبه وزيراً للمالية البريطانية؛ يجد جون هيلي نفسه يخوض اختباراً استثنائياً في إدارة التوقعات وصياغة أولى ميزانياته الرسمية.

ورغم قصر هذه الفترة، إلا أن هيلي استطاع بالفعل تحقيق ما عجزت عنه سلفه راشيل ريفز في فرض الانضباط والسرية التامة على التحضيرات، وتجنيب الأسواق حالة التخبط الناجمة عن الشائعات الضريبية.

تكتيم عسكري

وشابت فترة التحضير لميزانيات "ريفز" السابقة أسابيع طويلة من التكهنات حول طبيعة الضرائب المزمع رفعها.

ورغم أن بعض تلك الزيادات لم يُطبق في النهاية، إلا أن الضرر السيكولوجي والاقتصادي الذي لحق بثقة مجتمع الأعمال والمستثمرين كان بالغ الأهمية وكأن الضرائب فُرضت بالفعل، وفق تقرير لشبكة "سي إن بي سي".

في المقابل، استغل هيلي خبرته السابقة كوزير للدفاع لفرض حظر أمني صارم حول كواليس الميزانية المرتقبة؛ حيث اقتصر تداول الوثائق على مبدأ "الحاجة الماسة للمعرفة" فقط، وغابت تماماً سياسة "اختبار البالونات" أو التلميح بالتراجع عن التعهدات الانتخابية مثلما فعلت ريفز سابقاً بشأن ضريبة الدخل، ما أضفى حالة من الاستقرار المبدئي على مجتمع الأعمال.

هامش أمان متآكل وأزمة إنفاق

حالة الهدوء المبدئي هذه لا تعني أن الطريق مفروشة بالورود؛ إذ تتربص بوزير المالية الجديد عقبات مالية وقيود هيكلية صعبة، وأولها تآكل المصدات المالية؛ حيث اعتمدت ريفز في العام الماضي على هامش حماية مالي قدره 24 مليار جنيه إسترليني (32 مليار دولار). 

ولكن الارتفاع المتواصل في تكاليف الاقتراض الحكومي أدى إلى تآكل هذا الهامش ليصل إلى نحو 10 مليارات جنيه إسترليني فقط، ما يضيق الخناق أمام أي مناورة حكومية للالتزام بالقواعد المالية التي تفرض تغطية الإنفاق اليومي من الإيرادات وضمان انخفاض الدين مقارنة بالناتج المحلي.

الأمر الأخر تمثل في وعود سياسية مكلفة، إذ يواصل رئيس الوزراء الجديد "أندي بانهام" إطلاق التعهدات الحكومية بالإنفاق؛ حيث أعلن مؤخراً عن خطة بقيمة 432 مليون جنيه إسترليني لمكافحة المشردين، إلى جانب خطط دعم فواتير الطاقة للأسر الأكثر فقراً، ورفع الحد المعفى من الضريبة للمتقاعدين ذوي الدخل المنخفض.

وتحذر "أماندا تيكل"، رئيسة سياسات الضرائب والتجارة في مؤسسة "ديلويت"، من أن هيلي مطالَب بتوضيح مصادر تمويل هذه التعهدات، بالإضافة إلى التخفيضات الضريبية الموعودة للمتاجر والحانات، وتمديد الخفض على ضريبة الوقود الذي قد تكلف خزينته وحده أكثر من ملياري جنيه إسترليني (2.6 مليار دولار).

ووسط هذه الخيارات الضيقة، يسعى "هيلي" لضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد البريطاني دون خرق القواعد المالية للحكومة عبر الاستفادة من النماذج المؤسسية عبر ضخ 20.4 مليار جنيه إسترليني (27.18 مليار دولار) في كل من "صندوق الثروة الوطني" و"بنك الأعمال البريطاني"، كون هذه الأموال لا تُحسب كإقراض إضافي مباشر في حسابات الديون الرسمية.

هذا بالإضافة إلى التوجه نحو نقل صلاحيات التحكم في الضرائب والإنفاق من السلطة المركزية إلى رؤساء المحافظات؛ حيث يرى "مايكل سوندرز"، العضو السابق في بنك إنجلترا، أن الميزانية قد تمنح الإدارات المحلية حق الاحتفاظ بجزء من الإيرادات الضريبية الناتجة عن النمو الإقليمي. ورغم أن هذا الإجراء يعيد توزيع القرارات، إلا أنه لن يشكل رافعة فورية للنمو في المدى القريب.

تأتي هذه الميزانية في وقت ينظر فيه مستثمرو السندات الحكومية بعين القلق؛ إذ يطالبون بضغط الإنفاق العام، وتخفيض حجم الاقتراض، وإلغاء بعض الضرائب على الأجور التي أُدخلت سابقاً لتمكين الشركات من التوسع.

ومع تأجيل البت في ملفات شائكة مثل الرعاية الاجتماعية وبطالة الشباب إلى وقت لاحق من هذا العام، يبدو أن الميزانية المرتقبة ستسعى لتحقيق توازن حذر بين مطالب حزب العمال الحاكم وواقع الاقتصاد الكلي الصارم وهو توازن قد لا يرضي أسواق المال تماماً.