إذا تسبب نظام ذكاء اصطناعي في خسارة مالية لعميل، فمن يتحمل المسؤولية، الشركة التي استخدمت النظام أم الجهة التي طورته؟.. ومع توسع استخدام التقنية في تقديم الخدمات واتخاذ القرارات، بدأت شركات تأمين طرح تغطيات لهذه المخاطر، فيما يواجه القطاع تحديات تتعلق بتحديد أسباب الأخطاء وتقدير قيمة الخسائر وتسعير الوثائق.
وتأتي هذه التساؤلات بعد تصريحات رئيس شركة التأمين العالمية"تشب"، إيفان غرينبرغ، الذي وصف المسؤولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بأنها مخاطر ناشئة ومتنامية، لم تؤخذ في الحسبان بصورة كافية عند تقييم مخاطر التأمين حتى الآن.
وقال غرينبرغ، خلال مناقشة نتائج الشركة للربع الثالث من 2026، إن التعامل مع هذه المخاطر قد يشمل توضيح التغطية في الوثائق القائمة، وإدراج استثناءات، إلى جانب طرح تغطيات منفصلة للمسؤولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أين وقع الخطأ؟
وقد تستخدم الشركة نموذجاً طورته جهة خارجية، ثم تربطه ببياناتها وتحدد المهام التي يسمح له بتنفيذها. وإذا قدم النظام معلومات غير دقيقة تسببت بخسارة، فقد يتطلب تحديد المسؤولية فحص مراحل عمله المختلفة.
ويوضح مهندس الكمبيوتر والمتخصص في الذكاء الاصطناعي، غسان محمود، في تصريحات لـ24، أن الخطأ قد ينشأ في أكثر من موضع: "قد يكون النموذج نفسه أنتج نتيجة غير صحيحة، أو تلقى بيانات ناقصة أو قديمة، أو استخدم في مهمة لم يختبر بصورة كافية لأدائها".
اقتصاد الذكاء الاصطناعي يتوسع.. هويات رقمية وتأمين للروبوتات ومحافظ استثمارية - موقع 24من الهويات الرقمية التي تنظّم صلاحيات وكلاء الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، إلى وثائق تأمين مخصصة للروبوتات في اليابان، وصولاً إلى شخصيات رقمية ذكية تمتلك محافظ استثمارية وتستطيع التداول وتحقيق الأرباح، تتشكل ملامح اقتصاد جديد تقوده أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويأتي ذلك بالتزامن مع احتدام ...
ويضيف: "إذا قدم نظام معلومات مالية خاطئة لعميل، فلا يكفي القول إن الذكاء الاصطناعي أخطأ. يجب فحص مصدر البيانات والتعليمات التي تلقاها النظام، وما إذا كانت الشركة وضعت آلية لمراجعة الإجابة قبل تقديمها للعميل".
وبحسب محمود، تساعد سجلات العمليات في تتبع البيانات والتعليمات المرتبطة بالقرار، لكنها قد لا تحسم المسؤولية القانونية وحدها، إذ تتأثر أيضاً بالعقود والأدلة والقواعد المطبقة على كل حالة.
مسؤوليات متداخلة
ويقول محمود إن المسؤوليات قد تتداخل عندما تطور جهة النموذج الأساسي، بينما تعدله شركة أخرى أو تربطه ببياناتها، وتستخدمه لخدمة عملائها.
ويضيف: "قد يكون المطور مسؤولاً عن خلل في المنتج الذي قدمه، بينما قد تتحمل الشركة المستخدمة مسؤولية اختيار النظام أو تهيئته، أو الاعتماد عليه دون رقابة مناسبة. وقد يساهم أكثر من عامل في وقوع الضرر".
ولا يحسم تحديد السبب التقني وحده مطالبة التعويض، إذ يتطلب الأمر أيضاً إثبات الضرر وصلته بالخطأ، والنظر في الالتزامات المتفق عليها وشروط التغطية.
وثائق للمخاطر الجديدة
ولا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن الخسارة الناتجة عنه مشمولة تلقائياً بالتأمين، كما لا يعني بالضرورة أنها مستثناة. ويتوقف ذلك على نوع الوثيقة وصياغتها وطبيعة الضرر والمطالبة، بحسب محمود.
وبدأت شركات طرح منتجات مخصصة لبعض هذه المخاطر. وتعرض "ميونخ ري" لإعادة التأمين برنامج aiSure، الذي تقول إنه يتيح حلولاً لمطوري الأنظمة والشركات المستخدمة لها، تشمل، بحسب التغطية المتفق عليها، المسؤوليات التعاقدية والخسائر المالية والمسؤوليات القانونية المرتبطة بأخطاء أداء الأنظمة.
كما تطرح شركة "أرميلا" وثيقة تشمل، وفقاً لما تعلنه، مطالبات تتعلق بخسائر مالية تلحق بأطراف أخرى بسبب مخرجات غير دقيقة، إلى جانب بعض الأخطاء التي يرتكبها وكلاء الذكاء الاصطناعي.
تقدير احتمال وقوع الضرر وحجم الخسائر
ويتطلب تحديد قسط التأمين تقدير احتمال وقوع الضرر وحجم الخسائر المحتملة. وأشارت جمعية سوق لويدز إلى نقص بيانات السوق عن الاكتتاب والمطالبات المرتبطة بمخاطر الذكاء الاصطناعي، في وقت تتنوع فيه استخدامات هذه الأنظمة وصلاحياتها.
شركات التأمين تواجه صعوبة في تسعير مخاطر الذكاء الاصطناعي - موقع 24تواجه شركات التأمين تحدياً متزايداً في التعامل مع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل صعوبة تحويل التهديدات المحتملة للتكنولوجيا إلى مخاطر مالية يمكن قياسها وتسعيرها، خصوصاً مع ظهور سيناريوهات جديدة يصعب تقدير احتمالاتها وحجم خسائرها.
ويرى محمود أن تقييم المخاطر يجب أن ينطلق من المهمة التي يؤديها النظام وصلاحياته. فالنظام الذي يقترح إجابة يراجعها موظف يختلف عن آخر يستطيع تنفيذ تحويل مالي دون موافقة بشرية.
ويقول: "يمكن فحص نتائج الاختبارات وجودة البيانات وحدود الصلاحيات وإمكانية إيقاف النظام. لكن نجاح الاختبار في لحظة معينة لا يضمن بقاء الأداء نفسه بعد تحديث النموذج أو تغيير طريقة استخدامه".
هل يدفع العميل أكثر؟
ويشير محمود إلى أن كلفة إدارة المخاطر لا تقتصر على قسط التأمين، بل تشمل أيضاً اختبار الأنظمة وتسجيل عملياتها والرقابة على قراراتها.
ويضيف: "قد تتمكن شركة كبيرة من توزيع التكاليف على عدد واسع من العملاء، بينما قد تشكل عبئاً أكبر على شركة أصغر. لكن انتقال التكلفة إلى المستهلك ليس حتمياً، فهو يعتمد على حجم الأقساط وطبيعة الخدمة والمنافسة".
أما حصول العميل على تعويض، فيبقى مرتبطاً بإثبات الضرر والمسؤولية، وما إذا كانت المطالبة مشمولة بالتغطية والقانون المطبق.