تكثف الصين تدخلاتها لاحتواء التراجع الحاد في أسواق الأسهم، بعدما فقد مؤشر "CSI 300" نحو %20 من قيمته مقارنة بذروته المسجلة في يونيو (حزيران) 2026، ودخل منطقة السوق الهابطة خلال تداولات أكتوبر (تشرين الأول)، وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا وتراجع التوقعات بشأن التحفيز الاقتصادي، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز" وتقارير الأسواق الصادرة عن بنك "دي بي إس".
وتأتي التحركات الحكومية في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضعفاً في الطلب المحلي والاستثمار، رغم استمرار الدعم الذي توفره الصادرات والصناعات التكنولوجية للنمو، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة المشتريات الحكومية على وقف تراجع الأسهم دون تحسن أساسيات الاقتصاد، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز".
بكين تكثف التدخل في البورصات
عادت المؤسسات الاستثمارية المدعومة من الدولة، المعروفة في الأسواق الصينية باسم "الفريق الوطني"، إلى تكثيف مشتريات الأسهم وصناديق المؤشرات المتداولة، بهدف توفير السيولة والحد من موجات البيع، في واحدة من أبرز عمليات التدخل منذ اضطرابات الأسواق التي أعقبت الرسوم الجمركية الأمريكية في أبريل (نيسان) 2025، وفقاً لوكالة "بلومبرغ".
وبلغ صافي التدفقات إلى تسعة صناديق مؤشرات متداولة ترتبط عادة بتحركات "الفريق الوطني" نحو 19 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أعلى مستوى أسبوعي منذ أبريل (نيسان) 2025، عندما سجلت الصناديق تدفقات قاربت 140 مليار يوان، بحسب بيانات جمعتها وكالة "بلومبرغ".
وأفادت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" بأن تقديرات المشتريات الحكومية في سوق الأسهم الصينية وصلت إلى نحو 25.5 مليار دولار خلال أكتوبر (تشرين الأول)، في حين ارتفع مؤشر "CSI 300" بنسبة %0.9 خلال جلسة الأربعاء 28 أكتوبر (تشرين الأول)، وسط استمرار النقاش بشأن قدرة هذه التدخلات على تحقيق تعاف مستدام.
188 مليار دولار سيولة متاحة
تقدر وحدة "بلومبرغ إنتليجنس" أن شركة "سنترال هويجين إنفستمنت"، إحدى أبرز المؤسسات الحكومية الداعمة للبورصات، جمعت نحو 231 مليار دولار من بيع صناديق المؤشرات المتداولة خلال النصف الأول من 2026، قبل إعادة توظيف نحو 43 مليار دولار منذ استئناف المشتريات في يوليو (تموز)، وفقاً لتقرير أصدرته الوحدة في 22 أكتوبر (تشرين الأول).
وبناءً على هذه التقديرات، تمتلك الشركة سيولة متبقية قابلة لإعادة الاستثمار تبلغ نحو 188 مليار دولار، تكفي نظرياً لتمويل مشتريات تعادل 75 جلسة تداول وفق الوتيرة التي رصدها المحللون، لكن المبلغ لا يمثل إنفاقاً حكومياً منفذاً أو التزاماً رسمياً بضخه كاملاً في السوق، بحسب "بلومبرغ إنتليجنس".
وقدرت الوحدة مشتريات الصناديق المدعومة حكومياً بنحو 15 مليار دولار خلال الفترة من 9 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، محذرة من أن استمرار تراجع الأسهم بفعل ضعف ثقة المستثمرين قد يتطلب دعماً أكبر وأطول أمداً مقارنة بموجات التدخل السابقة، وفقاً لـ"بلومبرغ إنتليجنس".
خسائر تضغط على أسهم التكنولوجيا
تزامنت التدخلات الحكومية مع موجة بيع واسعة في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، دفعت مؤشر "CSI 300" إلى دخول منطقة السوق الهابطة خلال تداولات 22 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد تراجعه بأكثر من %20 من ذروته المسجلة في يونيو (حزيران)، وفقاً لتقرير الأسواق الصادر عن بنك "دي بي إس".
وامتدت الضغوط إلى بورصة هونغ كونغ، حيث تراجع مؤشر "هانغ سنغ" بأكثر من %12 منذ بداية 2026، بينما انخفض سهم شركة البطاريات الصينية "كاتل" بنحو %37 خلال الفترة نفسها، وسط ضغوط على تقييمات الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز".
وذكرت الصحيفة أن المستثمرين القادمين من البر الرئيسي الصيني باعوا أسهماً في هونغ كونغ بقيمة تقارب 2.5 مليار دولار أمريكي منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول)، في مؤشر إلى تراجع شهية المخاطرة، وفقاً لـ"فايننشال تايمز".


الاستثمار المحلي يتراجع %7.2
تواجه الأسواق ضغوطاً اقتصادية تتجاوز تقلبات الأسهم، بعدما أظهرت البيانات الرسمية انخفاض الاستثمار في الأصول الثابتة بالصين بنسبة %7.2 على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، فيما تراجع الاستثمار غير الحكومي بنسبة %10.4، وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء الصيني.
وكشفت البيانات نفسها عن انخفاض الاستثمار في قطاع التصنيع بنسبة %2.1، وفي البنية التحتية بنسبة %4.2، بينما تراجع الاستثمار في القطاع الثالث، الذي يشمل الأنشطة الخدمية، بنسبة %10، ما يعكس استمرار التفاوت بين قطاعات الاقتصاد الصيني، بحسب المكتب الوطني للإحصاء الصيني.
وفي المقابل، تواصل قطاعات مرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والصادرات توفير بعض الدعم للنشاط الاقتصادي، لكن ضعف الاستهلاك وأزمة العقارات يحدان من قدرة هذا النشاط على تحقيق انتعاش واسع النطاق، وفقاً لتحليلات وكالة "رويترز".

هل تكفي المشتريات الحكومية؟
يرى محللون لدى مؤسسات مالية دولية أن تدخل "الفريق الوطني" يمكن أن يخفف التقلبات ويحد من مخاطر البيع الاضطراري، لكنه لا يعالج وحده ضعف أرباح الشركات أو تراجع الطلب المحلي، وهما عاملان أساسيان لاستعادة الاتجاه الصاعد للأسهم، بحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست".
وأشارت "بلومبرغ إنتليجنس" إلى أن التعامل مع موجة بيع ناجمة عن الذعر يختلف عن مواجهة تراجع تدريجي تقوده توقعات اقتصادية ضعيفة، إذ قد تتطلب الحالة الثانية إجراءات مالية واقتصادية أوسع إلى جانب ضخ السيولة، وفقاً لتحليلها الصادر في 22 أكتوبر (تشرين الأول).
ويعني ذلك أن نجاح التدخلات الصينية لن يتحدد بحجم الأموال المتاحة فقط، بل بقدرة السلطات على تحسين توقعات أرباح الشركات وتعزيز الاستهلاك والاستثمار، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بسوق العقارات وثقة القطاع الخاص، وفقاً لتحليلات "بلومبرغ إنتليجنس" و"ساوث تشاينا مورنينغ بوست".

تداعيات على الأسواق العالمية
قد تمتد آثار التباطؤ الاقتصادي الصيني إلى الأسواق الخارجية عبر التجارة وأسعار السلع وتدفقات الاستثمار، ولا سيما الاقتصادات والشركات الأكثر ارتباطاً بالطلب الصيني، وفقاً لدراسة نشرها صندوق النقد الدولي في يوليو (تموز) 2025 بشأن انتقال آثار المفاجآت الاقتصادية الصينية إلى الأسواق المالية العالمية.
وتشير الدراسة إلى أن التغيرات غير المتوقعة في المؤشرات الاقتصادية الصينية يمكن أن تؤثر في أسعار الأسهم وعوائد السندات والمواد الخام خارج الصين، ما يجعل مسار التعافي الاقتصادي الصيني عاملاً مهماً في تقييم المخاطر العالمية، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
وبينما تمتلك المؤسسات الحكومية الصينية موارد مالية كبيرة لدعم الأسهم، تظل استدامة أي تعاف مرتبطة بتحسن النشاط الاقتصادي وأرباح الشركات، وليس باستمرار المشتريات الحكومية وحدها، بحسب تقديرات "بلومبرغ إنتليجنس" وتحليلات المؤسسات الاستثمارية التي نقلتها "ساوث تشاينا مورنينغ بوست".