"الخمسة أو العشرة ملايين جنيه التي كانت تتيح للمشتري امتلاك شقة فاخرة أو فيلا راقية في السنوات السابقة، لم تعد تفتح له الباب أمام العقار نفسه بالأسعار الحالية".. هكذا لخص رجل الأعمال نجيب ساويرس، في تصريحات تلفزيونية حديثة، جانباً من أزمة السوق العقارية المصرية، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في وجود فقاعة عقارية، بل في ارتفاع الأسعار مقارنة بإمكانات المشترين.

وأثارت تصريحات ساويرس جدلاً حول مدى ابتعاد أسعار العقارات عن القدرة الشرائية للمصريين، خاصة مع تراجع معدلات الشراء مقارنة بالفترات السابقة، في وقت تسجل فيه شركات التطوير العقاري مبيعات بمئات المليارات من الجنيهات.

وحسب أرقام السوق، حققت أكبر 10 شركات تطوير عقاري في مصر مبيعات تعاقدية بقيمة 670 مليار جنيه خلال النصف الأول من 2026، بارتفاع 2.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

في المقابل، انخفض عدد الوحدات المبيعة بنسبة 5% ليصل إلى 39 ألف وحدة تقريباً، ما يكشف أن نمو قيمة المبيعات جاء نتيجة صعود الأسعار وليس زيادة الإقبال، ويؤكد في الوقت ذاته الضغط الواقع على القدرة المالية للمشترين.

كم أصبحت تكلفة شراء وحدة سكنية؟

وفق بيانات عقارية لشهر أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بلغ متوسط سعر المتر المربع في المشروعات العقارية الجديدة بمصر 83.3 ألف جنيه في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مقارنة بـ 79 ألف جنيه في القاهرة الجديدة و65.2 ألف جنيه بالعاصمة الإدارية الجديدة.

وبحساب تقريبي استناداً إلى هذه الأسعار، فإن القيمة الإجمالية لشقة بمساحة 100 متر مربع تصل إلى 8.3 مليون جنيه، وفقاً للمؤشر العام (قبل إضافة أي أعباء أو رسوم ملحقة)، في حين تبلغ 7.9 مليون جنيه بالقاهرة الجديدة.

وتظل هذه الأسعار استرشادية، نظراً لكونها تستند إلى الأسعار المبدئية التي يعلنها المطورون العقاريون وتتغير مع كل مرحلة بيعية. كما تختلف حسب الموقع وطبيعة المشروع وشروط السداد.

أغلى واجهات القاهرة على طاولة الاستثمار.. ماذا تخبئ أراضي كورنيش النيل؟ - موقع 24تُطلق الحكومة المصرية خلال شهرين حملة لترويج 136 قطعة أرض مميزة على كورنيش النيل بالقاهرة والجيزة، بعد حصر الأراضي والمباني المطلة على النهر وتحديد الصالح منها للاستثمار.

السعر المعلن ليس كل شيء

يربط الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الكيلاني ارتفاع أسعار العقارات في مصر بزيادة تكاليف مدخلات البناء، في مقدمتها الأسمنت الذي ارتفع 35%، إلى جانب أسعار الحديد والعمالة ومستلزمات البناء الأخرى. 

وأضاف في تصريحاته لـ 24 أن بعض المطورين يضعون احتياطات مالية تحسباً لارتفاع الدولار وتكاليف التنفيذ مستقبلاً، بما يدفعهم إلى تسعير الوحدات عند مستويات تتجاوز تكلفتها الفعلية وقت الطرح.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن السعر المعلن لا يمثل الكلفة النهائية التي يتحملها المشتري، حيث تضاف إليه ودائع الصيانة والرسوم الإدارية والخدمات المرتبطة بالوحدة، مقدراً أن السعر المعلن يمثل أحياناً 80% من الكلفة الإجمالية، مقابل 20% للأعباء الإضافية.

كما لفت إلى أن توسع الدولة في طرح الوحدات يشكّل ضغطاً على القطاع الخاص، خاصة مع تقديم بعض الطروحات بأسعار وأقساط منخفضة نسبياً، وإن كانت الأعباء قد ترتفع على المدى الطويل في بعض الأنظمة التي تتغير أقساطها وفق توقعات التضخم.

الخبيران الاقتصاديان: سمير رؤوف - محمد الكيلاني

هل التقسيط حل أم عبء إضافي؟

يقول الخبير الاقتصادي سمير رؤوف لـ 24 إن الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية تدفع المشترين إلى تقليص طموحاتهم السكنية، سواء عبر اختيار مساحات أصغر أو الانتقال إلى وحدات أقل مستوى. كما أن من يبيع وحدته بسعر مرتفع ربما لا يتمكن من شراء وحدة مماثلة في المنطقة نفسها، في ظل ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق قدرة كثير من المشترين على مواكبتها.

وحذّر رؤوف من أن اللجوء إلى التقسيط سيضغط على ميزانية الأسرة إذا استحوذت الأقساط على جزء كبير من الدخل، بما يحد من قدرتها على تغطية احتياجاتها الأساسية والوفاء بالتزاماتها الشهرية.

في السياق ذاته، أشار إلى أن التباطؤ يظهر بوضوح في القطاع العقاري الفاخر، حيث تراجعت مبيعات بعض الشركات من 30 إلى 40 وحدة شهرياً قبل ثلاث أو أربع سنوات إلى وحدة أو وحدتين شهرياً حالياً. 

ويرى الخبير الاقتصادي أن ذلك يعكس تباطؤاً حاداً أو فقاعة جزئية في بعض الشرائح، لكنه لا يكفي للحكم بوجود فقاعة عقارية شاملة، ما دامت عمليات البيع والشراء مستمرة.