لا يبدأ الخطر على الشركة العائلية دائماً بتراجع المبيعات أو خسارة السوق، بل قد ينشأ داخل العائلة نفسها، عندما تنتقل الملكية من مؤسس واحد إلى ورثة تتباين رؤاهم بشأن الإدارة والأرباح والتوسع.
وفي أبوظبي، باتت مواجهة هذا الاختبار جزءاً من مشروع أوسع، وهو تحويل إرث الشركات العائلية إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار عبر الأجيال.
حماية الثروة
وتكشف مناقشات "قمة فوربس للشركات العائلية"، التي تستضيفها أبوظبي يومي 28 و29 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عن تحول في طبيعة النقاش من كيفية حماية ثروة المؤسس إلى كيفية تنظيم علاقتها بالأجيال التالية، في قطاع قالت وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، في بيانات حديثة، إنه يمثل نحو 90% من شركات القطاع الخاص، ويسهم بحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.
انتقال القيادة
وخلال كلمته بالقمة، وضع وكيل وزارة الاقتصاد والسياحة بالإنابة، جمعة محمد الكيت، مسألة التعاقب القيادي في قلب استدامة القطاع، مؤكداً ضرورة البدء المبكر في مناقشة انتقال القيادة وترتيبات الملكية وآليات اتخاذ القرار، بما يحول دون تحول اختلاف الأولويات إلى أزمة تهدد الأعمال.
وتستند هذه المقاربة إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم 37 لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية، الذي وضع إطاراً لتنظيم الملكية والحوكمة وانتقال الأعمال. كما أطلقت الوزارة السجل الموحد للشركات العائلية، مع إتاحة إيداع الميثاق العائلي بصورة اختيارية، بما يسمح بتوثيق القواعد التي تحدد العلاقة بين أفراد الأسرة والشركة.
تنظيم حوكمة الملكية
وعلى المستوى المحلي، أصدرت أبوظبي قانوناً لتنظيم حوكمة ملكية الشركات العائلية، يتيح للشركات المؤهلة طلب تطبيق أحكامه، بهدف تسهيل انتقال الملكية والحفاظ على استمرارية الأعمال. وهكذا لم تعد الحماية مرتبطة فقط بقوة النشاط التجاري، وإنما أيضاً بوضوح قواعد الشراكة بين أفراد العائلة.
وفي تصريحات خاصة لـ24، أوضح خليفة المحمود، مدير مجلس أبوظبي للشركات العائلية التابع لغرفة أبوظبي، أن المجلس يركز على مبادرات عملية، في مقدمتها برنامج "الميثاق العائلي" لمساعدة العائلات على وضع إطار واضح للحوكمة، والتعاقب بين الأجيال، واستدامة الأعمال.
تأهيل الجيل القادم
وأضاف أن المجلس يعمل على تأهيل الجيل القادم، إلى جانب بناء شبكة علاقات تربط عائلات أبوظبي بعائلات ومكاتب استثمارية وخبرات عالمية.
وتتكامل هذه الجهود مع ما طرحه خالد الفهيم، رئيس مجلس أبوظبي للشركات العائلية، خلال جلسة "ميزة أبوظبي التنافسية"، إذ أشار إلى استعداد متزايد لدى العائلات في الإمارة لتبني الحوكمة وإعادة الهيكلة، لكنه لفت إلى أن التحدي يكمن في تحديد التوقيت الملائم للتنفيذ وتلبية الطلب المتزايد على الدعم.
احتياجات مختلفة
وقدم الرئيس التنفيذي لسلطة التسجيل في سوق أبوظبي العالمي، راشد عبد الكريم البلوشي، خلال جلسة بالقمة، صورة أكثر تفصيلاً لهذا التحدي، موضحاً أن اتساع قاعدة المساهمين من جيل إلى آخر يخلق احتياجات مختلفة؛ فقد يرغب بعض الورثة في إعادة استثمار الأرباح والتوسع، بينما يفضل آخرون الحصول على توزيعات نقدية، أو التخارج من الملكية.
وبحسب البلوشي، يصبح الميثاق العائلي أداة أساسية لتحديد عضوية مجلس الإدارة، وآليات التصويت، وتوزيع الأرباح، وانتقال المسؤوليات والملكية، إضافة إلى الإجراءات المنظمة لبيع الحصص داخل العائلة. وشدد على ضرورة توثيق هذه الترتيبات، وعدم تركها لاتفاقات شفهية، قد تختلف تفسيراتها مع مرور السنوات.
إدارة المصالح
وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة، عندما تتوسع الشركات خارج محيطها التقليدي، فكلما زادت الأنشطة والأسواق وعدد المساهمين، أصبحت القرارات الفردية أقل قدرة على إدارة المصالح المتداخلة.
وفي تصريحات خاصة لـ24، اعتبر علي الجبيلي، رئيس مجلس إدارة الجبيلي القابضة، أن الأطر التنظيمية التي توفرها الجهات الاقتصادية في أبوظبي وسوق أبوظبي العالمي تمثل ركيزة لتعزيز ثقة المستثمرين داخل الدولة وخارجها، وتمنح أصحاب رؤوس الأموال إحساساً بالاستقرار عند اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
وتظهر جاذبية هذه المنظومة في الأرقام التي أوردها البلوشي خلال القمة، إذ تحدث عن وجود 77 شركة عائلية و642 مؤسسة مرخصة في سوق أبوظبي العالمي. وهي أرقام طرحها المسؤول خلال الجلسة عن المؤسسات العائلية تحديداً.