أعاد حادث تصادم قطارين فائقي السرعة في إسبانيا، الذي أسفر عن مقتل 68 شخصاً على الأقل، فتح ملف الإنفاق الحكومي على صيانة السكك الحديدية وسلامة البنية التحتية، وسط اتهامات لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بالتقصير في معالجة الاختلالات المتراكمة، بالتزامن مع احتجاجات وضغوط سياسية تسبق الانتخابات العامة المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وبحسب وكالة "رويترز"، وقع الحادث أمس الأربعاء قرب بلدة أوردا بمقاطعة توليدو، بعدما اصطدم قطار تابع لشركة "رينفي" بآخر متوقف تابع لشركة "إيريو"، ما أدى إلى خروج عربات عن مسارها وإصابة العشرات، وتعليق حركة القطارات على خط مدريد والأندلس، أحد أهم خطوط النقل في البلاد.
حادث ثانٍ يُعيد أزمة الصيانة
تزداد حدة الانتقادات الموجهة للحكومة الإسبانية مع وقوع الحادث بعد 9 أشهر من كارثة مماثلة على الخط نفسه، أودت بحياة 46 شخصاً في يناير (كانون الثاني) 2026، قرب بلدة أداموز في مقاطعة قرطبة.
وأشارت التحقيقات الأولية في الحادث السابق إلى احتمال وجود عيوب في القضبان أو نقاط اللحام، دون حسم السبب النهائي، ما أثار تساؤلات بشأن كفاءة أعمال الصيانة والرقابة الفنية.
وفي الحادث الأخير، أعلن وزير النقل أوسكار بوينتي أن عطلاً حاسوبياً أدى إلى توقف نظام السلامة على امتداد 63 كيلومتراً، قبل صدور تعليمات باستئناف حركة أحد القطارين دون قيود على السرعة، رغم استمرار إشارة التوقف. ولا تزال المسؤوليات الفنية والإدارية قيد التحقيق.

توسع في الشبكة على حساب الصيانة
تكشف بيانات المفوضية الأوروبية، عن فجوة بين استثمارات إسبانيا في توسيع شبكة القطارات فائقة السرعة والإنفاق على صيانتها.
وأنفقت مدريد نحو 1.5 مليار يورو سنوياً في المتوسط خلال الفترة من 2018 إلى 2022 على الشبكة، لكن نحو 16% فقط من هذه الاستثمارات خُصص للصيانة والتجديد والتحديث، مقابل نسب تراوحت بين 34% و39% في فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
كما ارتفع عدد حوادث السكك الحديدية، بما يشمل التصادم والخروج عن القضبان، من 45 حادثاً في 2016 إلى 69 حادثاً خلال 2025، وفق بيانات هيئة السلامة الحديدية الإسبانية.
في المقابل، تدافع حكومة سانشيز عن سجلها، مؤكدة زيادة الاستثمارات في البنية التحتية للسكك الحديدية وارتفاع الإنفاق على الصيانة منذ توليها السلطة عام 2018، وأن مؤشرات السلامة في الشبكة الإسبانية لا تزال متوافقة عموماً مع المستويات الأوروبية.

استثمارات بالملايين لم تمنع الأعطال
بحسب صحيفة "إلباييس" الإسبانية، خصصت السلطات نحو 65.9 مليون يورو لتجديد جزء من خط القطارات فائقة السرعة بين مدريد وإشبيلية، إلى جانب عقد آخر بقيمة 49.4 مليون يورو لتحديث البنية التحتية في مقاطع تشمل منطقة أوردا، حيث وقع الحادث الأخير.
ورغم هذه الاستثمارات، شهدت أجزاء من الخط أعطالاً في أنظمة الإشارات خلال عام 2025، تسببت في تأخير الرحلات وفرض قيود على السرعة، ما يثير تساؤلات بشأن كفاءة أعمال التحديث والصيانة، ومدى قدرة الإنفاق الحكومي على معالجة المشكلات الفنية المتكررة.

خسائر اقتصادية تتجاوز قطاع القطارات
لا تقتصر التداعيات الاقتصادية للحادث على تكاليف إصلاح الخطوط وتعويض الضحايا، بل تمتد إلى حركة المسافرين والأنشطة التجارية والسياحية المرتبطة بشبكة النقل.
وبحسب صحيفة "إلباييس" الإسبانية، أوقفت شركة "رينفي" بيع تذاكر القطارات فائقة السرعة بين مدريد والأندلس حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل كإجراء احترازي، فيما علقت "أويغو" رحلاتها على المسار حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويهدد استمرار اضطراب الرحلات بزيادة تكاليف التنقل والضغط على شركات النقل البديلة، إلى جانب التأثير المحتمل على حجوزات الفنادق والمطاعم والأنشطة السياحية، خصوصاً في المدن الجنوبية التي تعتمد على الربط السريع مع العاصمة.

احتجاجات وإضرابات تزيد الضغوط
تتزامن الكارثة مع تصاعد الاحتجاجات ضد الحكومة، إذ تجمّع أكثر من ألف متظاهر أمام وزارة النقل في مدريد، الأربعاء، للمطالبة بمحاسبة المسؤولين، في احتجاج دعت إليه مجموعات من اليمين المتطرف وشهد مواجهات مع الشرطة.
وفي موازاة ذلك، بدأ سائقو القطارات إضراباً لمدة 24 ساعة، اليوم الخميس، للمطالبة بتحسين إجراءات السلامة وتنفيذ الالتزامات السابقة، بعدما اتهمت نقابتهم الجهات المعنية بالتباطؤ في معالجة المشكلات الفنية والتنظيمية.
ووفق وكالة الأنباء الإسبانية "إفي"، تقرر الإبقاء على 73% من خدمات القطارات فائقة السرعة وطويلة المسافة خلال الإضراب، و65% من خدمات المسافات المتوسطة، ما يعكس حجم الاضطرابات التشغيلية التي تواجه القطاع.

مستقبل سانشيز أمام اختبار جديد
سياسياً، يأتي الحادث قبل الانتخابات العامة المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يضيف ملف سلامة البنية التحتية إلى القضايا التي تواجه حكومة سانشيز، وفي مقدمتها أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والاتهامات المتعلقة بالفساد.
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، تعهد سانشيز بإجراء تحقيق شامل وتعزيز إجراءات السلامة، مؤكداً أن تكرار حادثين مميتين للقطارات فائقة السرعة خلال عام واحد "أمر غير مقبول".
ومع استمرار التحقيقات والاحتجاجات، تبقى قدرة الحكومة على تقديم إجابات واضحة بشأن أسباب الحادثين، وتحديد المسؤوليات وتسريع الإصلاحات، عاملاً رئيسياً في تقييم إدارتها للأزمة خلال الأسابيع المقبلة، وفق الوكالة.