أيام قليلة كانت كفيلة بترجمة توجيهات حكومية بريطانية إلى موجة شرائية استثنائية استهدفت سلعاً كانت حتى الأمس القريب خارج حسابات المستهلكين.
اقتصادياً، تتطلب عملية التخزين المنزلي تخصيص سيولة مالية فورية لتأمين الغذاء والماء والدواء، وهو ما يضع الأسر محدودة الدخل أمام ضغوط إضافية.
فمع انطلاق حملة "Be Ready" في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، والتي تحث الأسر على تأمين مؤن ومستلزمات تكفي لمدة 72 ساعة في حالات الطوارئ وانقطاع الخدمات، شهدت المتاجر البريطانية إقبالاً هائلاً على عدد من السلع الاستهلاكية.
وحسب صحيفة "الغارديان"، ارتفعت مبيعات المصابيح اليدوية لدى متجر "Maplin" أربعة أضعاف، فيما تضاعفت مبيعات أجهزة الراديو وبطاريات الشحن المحمولة، وزادت مبيعات الأغذية المعلبة لدى سلسلة "Iceland" بنسبة 40% خلال عطلة نهاية الأسبوع.
أيضاً بلغت مبيعات متجر متخصص في معدات النجاة 300 جهاز راديو يعمل بالتدوير اليدوي، مقابل 15 جهازاً في المعتاد، وسجّل متجر آخر نشاطاً تراوح بين 10 و15 ضعف مستوياته الطبيعية.
دعوة حكومية للطوارئ تنعش مبيعات السلع الأساسية في بريطانيا - موقع 24سجلت متاجر تجزئة في بريطانيا ارتفاعاً حاداً في مبيعات عدد من السلع الأساسية، من الأغذية المعلبة والمياه المعبأة إلى أجهزة الراديو والمصابيح اليدوية وبنوك الطاقة، عقب دعوة الحكومة المواطنين إلى الاستعداد لحالات الطوارئ.
الطوارئ تجمع عواصم العالم
وبالتوازي مع التحرك البريطاني، وسّعت دول عدة حملات التوعية بالاستعداد للطوارئ خلال أكتوبر الجاري. ففي بلجيكا ولوكسمبورغ، أُطلقت أدلة إرشادية تحث الأسر على الاستعداد للأزمات وتأمين احتياجاتها الأساسية لمدة 72 ساعة، وبدأت لوكسمبورغ توزيع 300 ألف نسخة من دليلها.
وفي هولندا، أطلقت الحكومة مرحلة جديدة من حملة "Denk vooruit" في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لتشجيع الأسر على الاستعداد للأزمات، بما يشمل انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، إلى جانب وضع خطط للتعامل مع الطوارئ وتأمين الاحتياجات الأساسية.
فيما ركز أسبوع التوعية بالاستعداد للطوارئ في النرويج، الذي بدأ في 26 أكتوبر، على كيفية التعامل مع انقطاع الخدمات الأساسية.
إشارات طوارئ متزامنة.. هل يفرض التقشف إيقاعه على العالم؟ - موقع 24خلال أيام قليلة، تراكمت إشارات يصعب فصلها عن بعضها اقتصادياً، حكومتا بريطانيا وفرنسا تطلبان من المواطنين الاستعداد لحالات طوارئ وتخزين بعض المواد الغذائية، وروسيا تحذر بولندا من أنها قد تختفي خلال ثلاثة أيام في حال اندلاع مواجهة عسكرية معها.
أما فنلندا، فتعتزم توزيع 3.5 مليون نسخة من دليل الاستعداد للطوارئ على الأسر والشركات في يناير (كانون الثاني) المقبل، بينما تستعد اليابان لإطلاق دعوة وطنية في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) تحث السكان على توفير احتياجات تكفي ثلاثة أيام على الأقل، بل والأفضل أسبوعاً، تحسباً للكوارث التي قد تعطل البنية التحتية وتؤخر وصول المساعدات.
ويعود التوجه الأوروبي نحو تعزيز الجاهزية للأزمات إلى مارس (آذار) 2025، حين أطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية تدعو إلى تمكين السكّان من تدبير احتياجاتهم الأساسية لمدة 72 ساعة على الأقل، تحسباً لمخاطر التوترات الجيوسياسية أو الهجمات السيبرانية أو الكوارث الطبيعية والتغير المناخي.

من يتحمّل الكلفة؟
اقتصادياً، تتطلب عملية التخزين المنزلي تخصيص سيولة مالية فورية لتأمين الغذاء والماء والدواء، وهو ما يضع الأسر محدودة الدخل أمام ضغوط إضافية.
فقد كشفت أرقام المسح الحكومي البريطاني لعام 2026 الخاص بالتأهب للطوارئ، بمشاركة 10,791 شخصاً، عن عجز 29% من المستطلعين عن اتخاذ خطوات احترازية لقلة الإمكانيات المادية مقارنة بـ 27% سجلت في 2025، في حين امتنع 25% عن شراء سلع يخشون تلفها قبل الاستخدام.
وتتضاعف الأعباء الاقتصادية مع ارتفاع احتمالات الهدر المالي، فشراء كميات فائضة من المنتجات سريعة التلف يتسبب في تكبيد المستهلك خسائر مباشرة، بالتوازي مع التباين الواضح في القدرة على التخزين بناءً على مستوى الدخل والمساحة السكنية.

هل يعيد العالم أخطاء كورونا؟
في هذا الشأن كشفت جائحة كورونا كيف يمكن لمخاوف نقص الإمدادات أن تدفع المستهلكين إلى موجات شراء مفاجئة، لا سيما للأغذية غير القابلة للتلف ومنتجات التنظيف والمستلزمات الصحية.
وبيّنت دراسة منشورة في دورية "Fiscal Studies" عام 2021 أن الارتفاع الحاد في الطلب على السلع القابلة للتخزين قبل الإغلاق الأول في بريطانيا ارتبط أساساً بزيادة عدد الأسر التي اشترت هذه المنتجات، أكثر من ارتباطه بزيادة كبيرة في الكميات التي اشترتها الأسرة الواحدة في كل عملية شراء.
لذلك يظل التحدي أمام سوق منتجات الطوارئ في قدرتها على تحويل هذه الطفرة إلى طلب مستدام، عبر احتفاظ الأسر بمستلزماتها وتجديدها دورياً، بدلاً من شرائها بدافع القلق ثم التوقف عن الإنفاق عليها.