تواجه الحكومة البريطانية اختباراً اقتصادياً صعباً، بعد إعلان موازنة تستهدف تخفيف أعباء المعيشة وارتفاع تكاليف الطاقة، وسط ضغوط متزايدة على المالية العامة وتراجع توقعات النمو، ما يضع لندن أمام تحدي دعم الأسر والشركات دون زيادة أعباء الدين، في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
وبحسب وكالة "رويترز"، استقبلت الأسواق المالية البريطانية الموازنة التي أعلنها وزير المالية جون هيلي، الأربعاء، بهدوء، مع تراجع عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.308% خلال تعاملات الخميس، في مؤشر على ارتياح المستثمرين لالتزام الحكومة بقواعد الاقتراض والانضباط المالي، رغم استمرار المخاوف بشأن آفاق الاقتصاد.
دعم المعيشة وسط انتقادات
تضمنت الموازنة إجراءات لتخفيف أعباء الطاقة عن الأسر والشركات، بينها خفض فواتير الكهرباء بنحو 100 جنيه إسترليني لنحو 20 مليون أسرة، إلى جانب إجراءات ضريبية تشمل زيادة الضرائب على البنوك وبعض مصادر الدخل، بهدف تمويل الدعم دون التوسع الكبير في الاقتراض.
لكن حزمة دعم المعيشة، البالغة 4.4 مليار جنيه إسترليني، واجهت انتقادات من مؤسسة "ريزوليوشن فاونديشن"، التي اعتبرت أن الإجراءات لا تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً بالشكل الكافي، خصوصاً مع توقع وصول متوسط فواتير الطاقة السنوية إلى نحو 1750 جنيهاً.

النمو والديون تحت الضغط
تأتي الموازنة في وقت خفض فيه مكتب مسؤولية الموازنة توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني خلال 2027 إلى 1%، مقابل توقعات سابقة عند 1.6%، وسط استمرار الضغوط التضخمية، وضعف القوة الشرائية للأسر.
كما توقع المكتب بلوغ التضخم 3.4% خلال العام الجاري، مقارنة بتوقعات سابقة عند 2%، في ظل استمرار الضغوط على مستويات المعيشة، إذ يُرجح أن يزيد متوسط الدخل الحقيقي للفرد بنحو 2% فقط عن مستواه قبل جائحة كورونا بحلول مطلع 2032.
وفي ظل هذه الضغوط، تقلص هامش المناورة المالية المتاح للحكومة إلى 15 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بنحو 23.6 مليار جنيه في مارس (آذار) الماضي، ما يحد من قدرتها على مواجهة صدمات اقتصادية جديدة دون زيادة الضرائب أو الاقتراض، بحسب صحيفة "الغارديان".
وفي خطوة تعكس استمرار احتياجات التمويل، أعلنت الحكومة زيادة إصدارات السندات بنحو 4.4 مليار جنيه خلال السنة المالية الحالية، ليرتفع الإجمالي إلى 250.6 مليار جنيه، مع تقليص الاعتماد على السندات طويلة الأجل مرتفعة التكلفة.

خفض الإنفاق الاجتماعي
عقب إعلان الموازنة، أكد وزير المالية البريطاني ضرورة خفض تكاليف الرعاية الاجتماعية التي وصفها بأنها غير مستدامة، دون تحديد موعد لتنفيذ التخفيضات، في وقت يُتوقع أن يتجاوز الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، بما يشمل المعاشات ودعم ذوي الإعاقة، 11% من الناتج الاقتصادي خلال العام الجاري.
وبحسب "رويترز"، شدد هيلي على أهمية إعادة الشباب العاطلين عن العمل إلى سوق العمل وبرامج التدريب، فيما تستعد الحكومة لمراجعة برامج دعم البطالة والإعاقة، وسط تساؤلات بشأن قدرة الإصلاحات على تحقيق وفورات مالية ملموسة.

تحديات مستمرة
رغم الاستقبال الهادئ للموازنة في الأسواق، تبقى الحكومة أمام تحديات تتعلق بضعف النمو وارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط على الإنفاق العام، خصوصاً مع زيادة الالتزامات المرتبطة بالدفاع والرعاية الاجتماعية.
ويرى محللون أن الموازنة نجحت مبدئياً في طمأنة المستثمرين وتجنب اضطرابات سوق السندات، لكنها لم تقدم حلولاً جذرية لتعزيز الإنتاجية والاستثمار، ما يجعل قدرة الحكومة على تحقيق نمو مستدام مرتبطة بتراجع التضخم وأسعار الطاقة واستقرار تكاليف الاقتراض، وفق "رويترز".