ليس ضرورياً شراء شقة لدخول سوق العقارات؛ ففي بعض المدن، قد تبدأ الصفقة من مساحة لا تتجاوز مكاناً لسيارة واحدة؛ مواقف السيارات هناك ليست مجرد مرافق ملحقة بالمباني، بل أصول عقارية تُباع وتُشترى بصورة مستقلة، ويحقق مالكوها دخلاً من تأجيرها.
وتكشف تجارب هونغ كونغ وفرنسا والإمارات عن تنوع نماذج الاستثمار في مواقف السيارات؛ ففي هونغ كونغ تنشط سوق بيع وشراء المواقف بصورة مستقلة، وفي فرنسا يقوم الاستثمار على شراء المواقف أو المرائب وتأجيرها، بينما يتركز النموذج الإماراتي على الاستثمار في الأراضي والمواقع والمباني المخصصة للمواقف وتشغيلها.
هونغ كونغ.. آلاف الصفقات ومليارات الدولارات
قدم هونغ كونغ نموذجاً فريداً لتداول مواقف السيارات السكنية بصورة مستقلة كأصول استثمارية؛ حيث سجل هذا القطاع 2,989 معاملة بيع خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 بقيمة إجمالية 4.339 مليار دولار هونغ كونغي، وفقاً للبيانات الرسمية والمؤشرات البحثية الصادرة عن وكالة Centaline Property Agency العقارية، والتي أظهرت نمواً بنسبة 8.7% في عدد الصفقات، و3.6% في قيمتها الإجمالية، مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
وقامت منصة الإحصاءات والتقارير المالية الصينية Zhitong Finance بتحليل هذه البيانات الصادرة عن "سينتالين" في سبتمبر (أيلول) 2025، حيث أوضحت أن معاملات السوق الثانوية (إعادة البيع) بلغت 2,239 صفقة بزيادة سنوية وصلت إلى 18.3%، في حين سجلت السوق الأولية (المواقف الجديدة المطروحة من المطورين) 750 صفقة بانخفاض قدره 12.6%، ومن جانبها، تولت منصة التداول والبيانات المالية العالمية Webull Financial نقل ونشر هذا التحليل الشامل عبر قنواتها الإخبارية الموجهة للمستثمرين لتسليط الضوء على حيوية هذا السوق الاستثماري الرديف.
العوائد الاستثمارية في فرنسا: بديل عقاري منخفض التكلفة
في فرنسا، يُطرح شراء موقف سيارات أو صندوق مغلق وتأجيره باعتباره استثماراً عقارياً مستقلاً، بكلفة أقل عادة من شراء شقة، مع متطلبات إدارة وصيانة محدودة نسبياً. ووفقاً للبيانات الموثقة الصادرة عن الغرفة الرسمية عبر دليل مواقف السيارات لـ Notaires du Grand Paris، فإن العوائد الإيجارية لمواقف السيارات تتراوح غالباً بين 4% و6%، بحسب مستوى الطلب في المدن، مشيرة إلى أن تأجير موقف منفرد يتميز بمرونة قانونية عالية؛ إذ لا يخضع لقواعد تحديد سقف الإيجارات الصارمة المطبقة على الوحدات السكنية التقليدية.
وتتسع تقديرات الربحية في بعض المواقع الاستثمارية المتخصصة إلى مستويات أعلى؛ حيث أوردت الصحيفة الفرنسية في تقريرها المالي المنشور في سبتمبر 2026 عبر صحيفة Le Monde أن العائد الإجمالي للاستثمار في هذه المواقف قد يتراوح بين 5% و10% سنوياً، فيما تتراوح أسعار الشراء في المدن الكبرى بين 10 آلاف و60 ألف يورو. وربط تقرير الصحيفة اختلاف العوائد بموقع الموقف ومستوى الطلب عليه، موضحاً أن المواقف المنفردة تُباع عبر السوق العقارية المباشرة، كما تنتقل ملكيتها من خلال المزادات العقارية والتوثيقية.
النموذج الإماراتي.. الاستثمار في المواقع والتشغيل
يرتكز الاستثمار في مواقف السيارات في الإمارات، بحسب الدكتور أحمد الزيات، المستشار العقاري ومؤسس ورئيس تنفيذي لشركة AZ Capital، على تملك الأراضي والمواقع والمباني المخصصة للمواقف أو استئجارها وتشغيلها. وأوضح الزيات، في تصريحاته لـ"24"، أن هذا النشاط يشكل مجالاً عقارياً وتشغيلياً متخصصاً، يمكن أن يوفر دخلاً متكرراً في المواقع ذات الطلب المرتفع، خصوصاً في المدن الكبرى مثل دبي وأبوظبي والشارقة.
وتتنوع نماذج الاستثمار بين تملك أراضٍ مخصصة للمواقف أو استئجارها بعقود طويلة الأجل وتجهيزها للتشغيل، وامتلاك مبانٍ متخصصة، متعددة الطوابق أو تحت الأرض، إلى جانب استثمار المساحات الإضافية داخل المجمعات العقارية وفق ضوابط الملكية. ويشمل النشاط أيضاً تشغيل مواقع مملوكة للغير بموجب عقود إدارة أو إيجار، مقابل بدل ثابت أو حصة من الإيرادات. ويشدد الزيات على ضرورة التمييز بين ملكية الأرض والموقف وحق الانتفاع والتشغيل، لاختلاف الالتزامات والحقوق المترتبة على كل منها.
متطلبات وضوابط
ولا يشترط أن يكون المستثمر مالكاً للأرض في جميع نماذج التشغيل، وفق الزيات، إذ يمكنه إدارة الموقع بموجب حق تعاقدي، شريطة استكمال الموافقات والتراخيص. وفي دبي، ينظم القرار رقم 5 لسنة 2016 إنشاء المواقف الخاصة وإدارتها، ويحدد متطلبات استخدام الأراضي غير المطورة لهذا الغرض، والحصول على الرخصة التجارية والموافقات اللازمة من الجهات المختصة، إلى جانب الالتزام بالاشتراطات الفنية.
أما المواقف المخصصة للوحدات السكنية والتجارية، فتخضع لضوابط مختلفة. فالقانون رقم 6 لسنة 2019 بشأن ملكية العقارات المشتركة في دبي يعتبر هذه المواقف جزءاً لا يتجزأ من الوحدات، ولا يجيز فصلها أو بيعها مستقلة عنها. وفي المقابل، يسمح بشراء المواقف الإضافية الفائضة عن احتياجات الوحدات وفق الشروط المحددة. أما تأجيرها بصورة مستقلة، فيرتبط بطبيعة الحق المسجل ووثائق العقار ولوائح إدارته والموافقات المطلوبة.
وتتحدد جدوى الاستثمار، بحسب الزيات، بخمسة عوامل: الموقع، والكثافة السكانية، وحجم الطلب، وتوافر البدائل، وتكاليف التشغيل. لذلك لا يكفي تقييم المشروع بعدد المواقف المتاحة؛ بل يتطلب النظر إلى نسب الإشغال وصافي الدخل التشغيلي والقيمة السوقية للأصل، فضلاً عن طبيعة الحق القانوني الذي يحمله المستثمر.
عائد يرتبط بالإشغال
ويستشهد الزيات بتجربة مواقف في مبنى للمكاتب بمنطقة الخليج التجاري، إذ بلغ سعر الموقف الواحد فيها نحو 37 ألف درهم خلال جائحة كورونا. ويقول إن تأجيره مقابل 10 دراهم للساعة، بافتراض إشغاله 10 ساعات يومياً ولمدة 20 يوم عمل شهرياً، يحقق إيراداً قدره ألفا درهم شهرياً، أو 24 ألف درهم سنوياً. ويعادل ذلك نحو 65% من سعر الشراء كإيراد سنوي إجمالي، قبل احتساب تكاليف التشغيل والرسوم.
فرص التوسع
ويرى الزيات أن الاستثمار في المواقف قابل للنمو في الإمارات، مستفيداً من النمو السكاني والتوسع العمراني وزيادة الأنشطة التجارية والسياحية، إلى جانب التحول نحو أنظمة الإدارة الذكية ورفع كفاءة التشغيل.
ويشير إلى اتفاقية شركة "باركن" مع "دبي القابضة" في أغسطس 2025 لإدارة نحو 29,600 موقف مدفوع في عدد من المجمعات الرئيسية بدبي، باعتبارها مثالاً على توسع إدارة المواقف ضمن المجمعات العقارية.