كشفت نتائج التصرفات العقارية في إمارة أبوظبي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 تحولاً نوعياً سمح للقطاع العقاري بتسجيل أداء تاريخي، حيث بلغت قيمة التصرفات العقارية 171.26 مليار درهم عبر 38,483 معاملة، بنسبة نمو بلغت 76.1% في القيمة، و32.8% في عدد المعاملات، مقارنة بنفس الفترة من عام 2025.
وبحسب بيانات مركز أبوظبي العقاري التي أعلنها أمس السبت، قفزت قيمة معاملات البيع والشراء بنسبة 105% لتصل إلى 119.33 مليار درهم عبر 23,749 معاملة، لتكون المحرك الرئيسي للنمو، فيما بلغت قيمة الرهون العقارية 45.92 مليار درهم.

وتكشف الأرقام عن تحول نوعي يعيد رسم خريطة المحافظ الاستثمارية، حيث تترجم الأرقام قفزة صريحة نحو النمو المدفوع بالسيولة الذاتية والاستثمار الأجنبي المباشر على حساب الاعتماد على التمويل المصرفي. ويعكس المنحنى المالي للسوق تغيراً جوهرياً في بنية التمويل وطبيعة التدفقات النقدية، إذ شهدت قاعدة المبيعات النقدية توسعاً لافتاً من خلال قفزة معاملات البيع والشراء بنسبة 105% لتسجل 119.33 مليار درهم، مستحوذة بذلك على 69.7% من إجمالي قيمة التصرفات مقارنة بنحو 59.9% في الفترة المقابلة من عام 2025.
أبوظبي تضبط بوصلة سوق العقارات.. ما دلالات قرار تجميد الإيجارات؟ - موقع 24أثار القرار الصادر عن مركز أبوظبي العقاري بتجميد زيادات الإيجار مؤقتاً بنسبة صفر بالمئة لكافة العقود السكنية والتجارية والصناعية، مع تثبيت القيمة ذاتها للوحدات المعاد تأجيرها، أجواءً واسعة من التفاؤل والارتياح الشامل في الأوساط الاقتصادية و الاستثمارية بالعاصمة.
وتؤكد هذه السيطرة النقدية قوة الملاءة المالية للمشترين وتراجع الاعتماد على أدوات الدين المالي. وفي المقابل، ورغم الارتفاع المطلق لقيمة معاملات الرهن العقاري بنسبة 30.2% لتصل إلى 45.92 مليار درهم، إلا أن حصتها النسبية تراجعت إلى 26.8% من إجمالي التصرفات مقارنة مع 36.3% في العام السابق، مما يوضح مرونة السوق العالية في مواجهة معدلات الفائدة المرتفعة عالمياً، وميلاً كلياً نحو الشراء المباشر للأصول بدعم من تدفق رؤوس الأموال الخارجية.
لكن الأرقام التي تكشفها نتائج التصرفات العقارية في أبوظبي خلال الشهور التسعة الأولى من 2026 لا تروي وحدها القصة كاملة، فخلف هذه الطفرة، تقف حزمة من الإجراءات الحكومية والتنظيمية التي حوّلت أبوظبي من سوق واعد إلى وجهة استثمارية عالمية من الطراز الأول.
ثورة تشريعية لحماية المستثمر
في أغسطس 2025، دخل حيز التنفيذ القانون رقم (2) لسنة 2025 المعدل لقانون تنظيم القطاع العقاري رقم (3) لسنة 2015، والذي وفر حماية ثلاثية للمطور والمشتري والممول.
وفي مارس 2026، أصدرت دائرة البلديات والنقل حزمة من 4 قرارات إدارية لتنفيذ القانون، شملت:
1- تنظيم الصرف من حساب الضمان: منع استخدام أموال المشترين قبل إنجاز 20% من المشروع إلا بضمانات مصرفية وتقديرات تكلفة معتمدة، وحظر استخدامها في شراء الأراضي أو عمولات الوسطاء.
2- تنظيم الملكية المشتركة: إطار واضح لإدارة المرافق المشتركة وتحديد أدوار الملاك والمطورين وشركات الإدارة.
3- لجان الملاك: نظام داخلي موحد لتشكيل لجان الملاك واختصاصاتها، بما يعزز مشاركة الملاك في استدامة المشاريع.
4- حماية المشترين: تحديد نسب التعويض ومدد إرجاع المبالغ للمشترين في حال شطب الوحدات وإعادة بيعها.
وقال مركز أبوظبي العقاري إن هذه القرارات تهدف إلى "تطوير بيئة تشريعية مرنة ومستدامة، تدعم المطورين، وتحمي حقوق المستثمرين، وتواكب متطلبات النمو المستقبلي."
ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية
وفي خطوة فارقة، قرر مركز أبوظبي العقاري في يونيو 2026 تثبيت زيادات الإيجار عند 0% لجميع العقود السكنية والتجارية والصناعية، مع تثبيت القيمة ذاتها للوحدات المعاد تأجيرها، وذلك ضمن تطوير أدوات جديدة لا تستهدف زيادة النشاط العقاري بقدر ما تركز على تعزيز استقرار السوق ومرونته، بما يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.
ووفقاً للمركز، جاء القرار "بهدف تعزيز استقرار السوق، ومنح المستأجرين وقطاع الأعمال قدرة أكبر على التخطيط المالي".
وحمي هذا التدخل التنظيمي القدرة الشرائية للسكان، وكبح الضغوط التضخمية، وضمن التدفق المستمر للكفاءات العالمية والاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى سوق يتميز بأعلى درجات الشفافية. كما أجبر الملاك والمطورين على التنافس عبر جودة الخدمات والصيانة، بدلاً من رفع الأسعار. وعززت الحكومة ذلك عبر نظام "توثيق" الرقمي، الذي يضمن الامتثال التام ويمنع أي تحايل على السقف السعري، بالإضافة إلى إطلاق أول مؤشر سكني للإيجارات في أغسطس 2024 كمرجعية شفافة للقيم الإيجارية.
ثقة أجنبية غير مسبوقة
وتكشف القراءة المتعمقة لنتائج التصرفات العقارية في إمارة أبوظبي خلال الشهور التسعة الأولى من العام الجاري، أن تلك الاجراءات الحكومية تسببت في "انفجار" شهية رؤوس الأموال الأجنبية غير المقيمة إذ ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في المناطق الاستثمارية بنسبة 131% لتصل إلى 86.11 مليار درهم، مستحوذة على 81% من إجمالي الاستثمارات فيها. كما بلغت استثمارات الأفراد غير المقيمين 17.22 مليار درهم في 9 أشهر فقط، متجاوزة بأكثر من الضعف إجمالي عام 2025 كاملاً (8.2 مليار درهم).
ويبرهن هذا التضاعف على كفاءة الأطر التشريعية والتسهيلات التنظيمية، وفي مقدمتها الإقامة الذهبية، في تحويل الإمارة إلى مركز جذب رئيسي لرؤوس الأموال غير المقيمة.
وتقدمت أبوظبي 8 مراتب في مؤشر (JLL) العالمي للشفافية العقارية لعام 2026، لتصل إلى المركز 33، لتنتقل رسمياً من فئة الأسواق شبه الشفافة إلى فئة الأسواق الشفافة، مما يشكل محركاً جوهرياً لانخفاض علاوة المخاطر، ويسهم في تقليل تكلفة استقطاب رؤوس الأموال المؤسسية وتسهيل دخول صناديق الاستثمار العقاري للأنشطة المحلية، مما يكرس استقرار السوق العقاري بالإمارة على المدى الطويل.
من التثبيت إلى الإيجار المرن.. كيف تعزز الإمارات استقرار السكن؟ - موقع 24بالتوازي مع الأداء القوي والبيانات المتصاعدة للقطاع العقاري، تمضي دولة الإمارات في تطوير منظومتها الإدارية والتشريعية من خلال مبادرات تستهدف تعزيز استقرار السوق، وتوفير خيارات أكثر مرونة للمستأجرين، وتشجيع التملك بما يعزز استدامة النمو والارتقاء بكفاءة السوق العقارية.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد الوطني والأسر؟
وتشير هذه النتائج إلى تنويع حقيقي في الاقتصاد يتضح في التدفقات الرأسمالية الضخمة في أصول حقيقية مما يقلل الاعتماد على النفط ويدعم الناتج المحلي غير النفطي. وتكشف أيضا عن تعزيز فرص الوظائف والنمو، إذ يعكس تسجيل 54 مشروعاً جديداً وارتفاع عدد المهنيين المرخصين إلى 3,677 توسعاً في التوظيف وسلاسل الإمداد.
وتصب هذه التطورات في صالح المستفيد النهائي وتعزز الاستقرار الاجتماعي من خلال تثبيت الإيجارات الذي يرفع الدخل القابل للتصرف للأسر، وينشط قطاعات التجزئة والسياحة والترفيه.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن طفرة الـ 171 مليار درهم لم تأت صدفة، بل كانت ثمرة معادلة حكومية واضحة: تشريع يحمي، وتنظيم يضبط، وشفافية تطمئن، وهي معادلة تضع أبوظبي اليوم في موقع المنافس المباشر لأكبر الأسواق العقارية العالمية.