نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 15 أغسطس (آب)، والتي تقام تحت عنوان "ادعوني أستجب لكم".

ودعت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة، المصلين للدعاء واللجوء إلى الله فهو السميع المجيب، وأكدت أن الرحمن الرحيم لا يخذل عبداً ولا يرد محتاجاً ويجيب الدعاء، وحثت على الخشوع والتضرع لله عز وجل أثناء الدعاء، فيما ذكرت الخطبة الثانية سبل الإجابة وشددت على أهمية المواظبة على الدعاء والوثوق بخير الإفادة منه، وفيما يلي نص الخطبة:

الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، قال الله عز وجل :( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ وقال تعالى:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾.

أيها المسلمون: إن الإنسان منا يتقلب في حياته أطواراً، ويعيش فيها أحوالاً، يتذوق حلوها ومرها، ويمر فيها بين العسر واليسر، والصحة والمرض، والعافية والبلاء، والشدة والرخاء، والأفراح والأتراح، والإخفاق والنجاح، وفي كل أحواله وتقلباته، يشعر بافتقاره إلى خالقه الغني، ويقر بضعفه أمام ربه القوي سبحانه وتعالى، فيلجأ إليه عز وجل بالدعاء، ويلح عليه تبارك وتعالى بالرجاء، ليقضي له - وهو القادر على كل شيء- حاجاته، ويفرج عنه كرباته، وكيف لا يدعوه سبحانه وهو القائل عز وجل:(ادعوني أستجب لكم).

فيا من ضاق صدره بآلامه، ولم ينطلق لسانه بالتعبير عن أحزانه، يا صاحب العين الباكية والقلب المحزون، يا صاحب الحاجات، يا أيها المثقل بالكربات والهموم، إلى من تلجأ لتفريج همومك؟ وأي باب تقرع لقضاء حاجاتك؟ ألا تستنجد بربك العزيز الحميد؟ ألا تستغيث بمن هو أقرب إليك من حبل الوريد؟ ألم تقرأ في كتابه المجيد قوله سبحانه:( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فالله جل وعلا يستجيب لمن يدعوه، ولا يخيب سبحانه ظن من يرجوه، فألحوا على الله تعالى بالدعاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا.

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو الله عز وجل بدعاء جامع يشمل الخير كله، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء، فتوضأ وصلى ثم قال: اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي. فقلت: يا رسول الله ما دعوات دعوت بهن؟ قال: وهل تركن من خير ؟ وعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا.

نعم يا عباد الله إن ربكم يستجيب لكم، ويسمع دعواتكم، فاسألوه تضرعاً وخشوعاً، واطلبوا منه تذللاً وخضوعاً، وادعوه رغباً ورهباً، فقد ذكر سبحانه استجابته لدعاء أنبيائه فقال عز وجل:( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) فهذا نوح عليه السلام يشكو أمره إلى الله تعالى، قال عز وجل:( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون* ونجيناه وأهله من الكرب العظيم* وجعلنا ذريته هم الباقين* وتركنا عليه في الآخرين* سلام على نوح في العالمين) نعم فلأجل نوح ومناجاته ودعائه:( أني مغلوب فانتصر) أي إن قومي قد غلبوني، تمردا وعتوا، ولا طاقة لي بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك، يا له من دعاء هز أبواب السماء، فجاء الأمر الرباني:( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر* وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر* وحملناه على ذات ألواح ودسر).

وهذا نبي الله زكريا عليه السلام طلب الولد والذرية، فوقف على باب أكرم الأكرمين، قال تعالى:( وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين) فلم ييأس، ولم يقنط رغم أنه بلغ من الكبر عتيا، فنادى ربه نداء خفيا:( قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا* وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا* يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا* يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) فاستجاب الله عز وجل دعاءه، ولم يذره فردا، وبشره بيحيى عليه السلام وارثا له وذرية، قال تعالى:( فاستجبنا له ووهبنا له يحيى) ونبي الله أيوب عليه السلام ابتلاه سبحانه بالمرض، فكان من الصابرين المحتسبين، ودعا رب العالمين:( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين* فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين).

وكذلك نبي الله يعقوب عليه السلام عانى من فراق ولده يوسف عليه السلام، وأخيه من بعده، فقابل مصابه بقوله:( فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم) وبث شكواه إلى ربه الكريم قائلا:( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) فاستجاب الله سبحانه دعاءه، ورد عليه فلذة كبده، قال عز وجل:( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون).

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم اشتدت عليه الخطوب، بعد موت زوجته وفقدان عمه الذي كان نصيره في قومه، ولما ذهب إلى الطائف ليدعوهم قابله أهلها يومها بأسوإ الردود، ولقي منهم أشد الصدود، فأغروا به صبيانهم وسفهاءهم فرموه بالحجارة، وأدموا قدميه الشريفتين، فرفع شكواه إلى مولاه قائلا:( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

فارفع يا عبد الله يديك إلى السماء، وألح على الله تعالى في الدعاء، واسجد لربك بخشوع، وقف على بابه بخضوع، وارفع إليه الشكوى، فإنه يعلم السر والنجوى، ويكشف الهم والبلوى، قال تعالى:( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا يرد القضاء إلا الدعاء» وقال صلى الله عليه وسلم :« القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل".


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الله تعالى قد يعجل إجابة الدعاء في الدنيا، أو يدخرها في الآخرة، أو يصرف بها السوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما من مسلم يدعو بدعوة- ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم- إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذا نكثر. قال:« الله أكثر» فواظب يا عبد الله على الدعاء ولا تقطع الرجاء، ولا تيأس من الإجابة وإن تأخرت، فرحمة الله واسعة، وعطاؤه ممدود غير محدود، فألح على الله تعالى في المسألة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي. فيدع الدعاء".