جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي
جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي
الجمعة 10 أكتوبر 2014 / 09:31

خطبة الجمعة الموحدة في الإمارات: "يسروا ولا تعسروا"

نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، تحت عنوان "يسروا ولا تعسروا".

وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة الحديث عن التيسير كمقصد من مقاصد التشريع في علاقة الإنسان بالله عز وجل وبالعباد، وأوضحت أهميته ودوره في رفع العسر والحرج، وأظهرت مواضعه في المعاملات والأحكام، فيما حذرت من الرخص والتهاون بشرع الله تعالى،
فيما ذكرت الخطبة الثانية، مضار المغالاة والتشدد وحذرت من التعصب والتطرف، وانعكاساته على النفس والمجتمع.

الخطبة الأولى
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، وأحثكم على طاعته، قال تعالى:(واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم) وقال سبحانه:( فبشر عباد* الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).

أيها المسلمون: "التيسير مقصد من مقاصد التشريع، وأساس متين من أسس الدين، من أخذ به ارتفع وغلب، ومن حاد عنه غالى وانقلب، وهو مراد الله عز وجل لخلقه، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، قال الله سبحانه تعالى:( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) والتيسير شعيرة في الأخلاق والمعاملات، وسمة في العادات والعبادات، فهي خير ما يدين به المسلم ربه، قال صلى الله عليه وسلم : إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره.

التخفيف واليسر
ولقد قامت شريعة الإسلام على التخفيف واليسر، ورفع الحرج والعسر، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر". ولقد أرسل الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وخصه بأوصاف الرحمة والتيسير، فقال تعالى:( ونيسرك لليسرى) فكان صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف والتبشير، ويقول: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة. أي الشريعة السمحة السهلة في العمل.

والتيسير لا يعني تتبع ، فما أمر الله سبحانه به فهو واجب التنفيذ والاتباع، وما نهى عنه يقتضي الانتهاء والإقلاع، لكن الإسلام في أمره ونهيه يراعي أحوال الناس وقدراتهم، قال الله تعالى:( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم".

غاية سامية
عباد الله: ما أجمل أن تكون الغاية سامية، والوسيلة سهلة ميسرة، ولا سيما أن صور التيسير قد شملت جميع العبادات، فقد يسر الله على عباده في التكليف، ورفع عنهم المشقة، قال الله سبحانه:( وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد سهل القرآن الكريم للذكر لمن أراد التذكر به، قال سبحانه:( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).

الصلاة
والصلاة عماد الدين، أوجبها الله عز وجل على جميع عباده، وقد راعى التيسير في أدائها، فرخص للمسافر قصرها، وللمريض أن يصلي حسب استطاعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه حين أصابه مرض:" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" فإذا عجز المسلم عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيا بما استطاع ومع أهمية الصلاة ومكانتها فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف على المصلين فقال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء.

الصيام
والصيام ركن من أركان الإسلام، وقد خفف عن المريض والمسافر، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد التطوع به أن يعتدل ولا يتعنت، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله.

الزكاة

والزكاة لم تفرض إلا على من ملك النصاب، ولو فرضت على جميع الناس؛ غنيهم وفقيرهم؛ للحقهم الحرج، وفي الحج راعى الله تعالى فيها أحوال الناس، فلم يكلف به إلا القادر المستطيع. وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم هديا للناس في التدين، لا يشقون على أنفسهم، ولا على غيرهم.

التيسير مع العباد

أيها المسلمون: إن التيسير لا يقتصر على العلاقة بين العبد وربه، بل يشمل كذلك العلاقات بين الناس مع بعضهم، والكلام هو وسيلة التواصل بينهم، ومن أراد الوصول إلى قلوبهم فعليه أن يخاطبهم بأيسر الكلام، وتلك مقالة ذي القرنين حيث قال:( وسنقول له من أمرنا يسرا) وقد أرسل الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، فقال لهما:( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فإذا كان هذا مع من قال:( أنا ربكم الأعلى) فكيف بمن سجد لربه وقال: سبحان ربي الأعلى؟

وفي العلاقات الأسرية لن ينال الابن بر والديه حتى يترفق معهما في الحديث، ويختار من الكلام ألينه، ومن تعامل مع الناس في بيع وشراء، وجب عليه أن ينتهج التيسير هديا له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى".

ومن كان له دين على الناس فلييسره عليهم لعل الله أن ييسر عليه، قال تعالى:( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)

عباد الله: إن "التيسير على عباد الله سبب لنيل التيسير من الله في الدنيا والآخرة، فمن كان رحيما بالناس ولا يشق عليهم فيرحمهم يسر الله عليه أمره في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه:( فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى).

ومن شق على الناس شق الله عليه، قال تعالى:( وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شاق شاق الله عليه".

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن التدين لا يعني التشدد والتطرف في أداء العبادات، ومن تشدد فقد أفضى إلى الهلاك، قال صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون" أي المتعمقون المغالون المتكلفون.

وقد من الله تعالى علينا في دولة الإمارات العربية المتحدة بنعمه الوافرة، فنحن نحيا في خير واستقرار ورغد من العيش، فماذا نريد أكثر من هذا؟ فلنشكر الله على ما خصنا به من تمام فضله، وعلى ما أنعم به علينا من قيادة رشيدة، ووطن مستقر في مأمن من الفتن وسفك الدماء وتدمير الأوطان، وتشريد الإنسان، كما يحدث في كثير من البلدان الأخرى، وذلك ثمرة من ثمار الوسطية في التدين، والاعتدال في التفكير، وجهود قيادة ساهرة على استقرار الوطن.