السبت 6 ديسمبر 2014 / 13:38

رواية أدبية عن ثورة ... متى نكتبها؟



حين بدأت في كتابة رواية "سقوط الصمت"، التي الجت الجوانب الإنسانية والجمالية والنفسية والاجتماعية، كان يسيطر على أمرين، الأول هو الخوف من أفقد طزاجة حدث شاركت فيه بقوة إن انتظرت سنوات لأرى اكتماله.

والثاني هو يقيني من أن الثورة المضادة ستلتقط أنفاسها وتبدأ في تشويه الثورة، ثم تكتب تاريخها على هواها ومصالحها، وهو ما يحدث الآن بشكل جارح وبارح، وعلينا مهما كانت أدواتنا أن نكون مستعدين دوماً للرد على هذا، وقد كتبت كتاباً عن تجربتي المباشرة في الثورة عنوانه "عشت ما جرى: شهادة على ثورة يناير" وجاءت هذه الرواية لترسم الملامح الجمالية والاجتماعية والنفسية والإنسانية للحدث خارج ما يخصني وحدي، في مرواحة بين الآني والآتي.

هذا ما كان يشغلني أثناء كتابتها وليس التنبؤ بسقوط الإخوان، لكن حين ظهرت الرواية قبل ثورة 30 يونيو بأسبوعين فقط، التقطها الناس على أنها نبوءة برحيل الإخوان، معولين على مقطع فنتازي فيها يؤول على هذا النحو.

وهناك من يقول إننا يجب أن تكتمل الثورة حتى نكتب عنها، ويستشهدون بأن نجيب محفوظ كتب عن ثورة 1919 في ثلاثيته الشهيرة ( بين القصرين ـــ قصر الشوق ـــ السكرية) التي ظهرت في خمسينيات القرن العشرين، وأن تشارلز ديكنز كتب قصة مدينتين بعد الثورة الفرنسية بسبعين سنة، وينسى هؤلاء أن محفوظ وقت أن اندلعت ثورة 19 كان عمره ثماني سنوات، ولم يكن فن الرواية قد ترسخ في العالم العربي أصلا، وديكنز لم يكن قد ولد، وأعتقد أن كليهما لو عاش الحدث ما ترك طزاجته تذهب، ثم يجلس يفتش في ذاكرته عن تفاصيل لينسج رواية، والرواية هي فن التفاصيل.

وهذا الأمر يتشابه مع ما قيل عن ملحمة "الحرب والسلام" للأديب الروسي الكبير ليو تولستوي التي توالى نشرها في السنوات المتراوحة بين 1865 1869، والتي يدور زمنها أيام غزو جيش نابليون لروسيا القيصرية سنة 1812، فوقت وقوع الحرب لم يكن تولستوي قد ولد أصلا.
وظني لو أن محفوظ أو ديكنز وتولستوي وجد أمامه حدثا كبيرا كالثورة، وعاش تفاصيلها الإنسانية والنفسية والجمالية لم يكن يتركه يمر أمام عينيه مرور الكرام، بل كان سيعالجه فنيا، أو بمعنى أدق يتخذ منه موضوعا لرواية، والمهم كيف يتم التناول؟ وكيف لا يجور الحدث على "أدبية الأدب"؟ وكيف تكون الفن حاضرا بغض النظر عن الشكل أو المعمار الروائي؟

وأتعجب من نقاد يقبلون أن يكتب روائي رواية ضخمة تدور كل أحداثها في قطار يمضي لبضع ساعات، أو داخل غرفة أو تجري أحداثها في ليلة واحدة، ويبدون اعتراضا على رواية عن حدث هائل بحجم الثورة. والمهم كيف نكتب عن الثورة عملا فنيا يبتعد عن السقوط في الأيديولوجيا أو الفكر السياسي المباشر؟ الناشر الأستاذ محمد رشاد صاحب الدار المصرية اللبنانية قال لي: "هذه الرواية ستكون جيدة أكثر لجيل لم يعش الأحداث" فقلت له: هذا ما أقصده. وكم أسعدني أن سيدة قالت لي: "تشككت ابنتي الجامعية في الثورة من جراء ما تسمعه في بعض وسائل الإعلام التي تصورها على أنها مؤامرة، فأعطيتها "سقوط الصمت" فقرأتها كي تستعيد وعيها، وقد حدث، بل إنها استعارت بعض جملها في كتاباتها التعبيرية عن الثورة، وبعض مقولاتها في الرد على حجج المشككين في الثورة".