جامع الشيخ زايد الكبير
الجمعة 27 فبراير 2015 / 10:11
نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 27 فبراير(شباط) ، تحت عنوان "الوسطية وثمراتها".
وتتناول الخطبة الأولى لصلاة الجمعة الحديث عن الوسطية وثمراتها وسماتها وأثرها في تربية النفس وإعداد المجتمع، ودعت إلى نبذ التشدد والغلو، فيما ذكرت الخطبة الثانية خيرات الوسطية في عصم الأنفس، وصون الدماء، وحفظ الأموال والأعراض.
لقد امتن الله تعالى على أمة الإسلام فجعلها أمة وسطا، قال سبحانه:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، فخصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح السبل، فالوسطية مزية كبرى، وفضيلة عظمى، وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع النهج المعتدل، وسلوك الطريق الأوسط، وهو الأفضل، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال:« هذا سبيل الله». ثم تلا هذه الآية:( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).
الوسطية والسماحة
فسبيل الله تعالى هو الدين الذي أنزله رحمة للعالمين، مشتملاً على الوسطية والسماحة، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم:"أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"، أي: التي لا حرج فيها ولا تضييق، والوسطية سمة من سمات المتقين الأبرار، وصفة من صفات الأئمة الأخيار، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عليكم بالنمط الأوسط -أي الطريق الأوسط- فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل. فما أجمل أن نتمسك بهذه الخصلة، فنكون معتدلين في أمورنا، متحلين بالوسطية في جميع شؤوننا.
الوسطية وسماتها
عباد الله: إن "للوسطية سمات كثيرة، ومعالم عديدة، يجدر أن نتعرف عليها، فمنها التيسير ورفع الحرج، فاليسر قرين الوسطية والاعتدال، قال الله تعالى:( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالتيسير، ونهانا عن التعسير في نصوص كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم :« يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». وتوعد النبي صلى الله عليه وسلم المتشددين فقال:« هلك المتنطعون». كررها ثلاثا. ولذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نهينا عن التكلف. فطوبى لمن سلك طرق الاعتدال والتيسير، ففاز بالوسطية ونجا من التشدد".
تربية النفوس
أيها المصلون: "إن الوسطية مبدأ جميل، يربي النفوس على أرقى القيم وأسماها، كالصدق والوفاء، والكرم والسخاء، والرفق واللين، والرحمة والرأفة، والعدل والإنصاف، والارتقاء بالنفس نحو الأخلاق العلية، وترك الغضب والانتقام، وتغليب جانب العفو والصفح، قال الله تعالى:( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :« ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا». والوسطية جمال في التعامل، ورقي في السلوك، تحث صاحبها على اختيار أنسب الكلمات، وأليق التصرفات، قال الله تعالى:( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا).
صور الوسطية
عباد الله: إن صور الوسطية تشمل جميع مناحي الحياة، ومنها: الاعتدال في الإنفاق، والابتعاد عن الإسراف والإقتار، قال الله تعالى:( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وقال سبحانه:( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا).
فالاقتصاد في الإنفاق، والحرص على الموارد، وترشيد الاستهلاك، والمحافظة على الثروات من تمام الوسطية والاعتدال.
أيها المسلمون: ولا تقتصر الوسطية على التعامل مع المسلمين فحسب، بل تشمل التعامل مع الناس جمعيا، بالبر بهم، والإحسان إليهم، قال الله تعالى:( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). وقد أغلظ النبي صلى الله عليه وسلم في تأثيم من يتعرض بالأذى لغير المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم :« ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة».
ترك الغلو والتشدد
أيها المصلون: إن التمسك بالوسطية يقتضي ترك الغلو والتشدد، وما يتصل بذلك من جرأة في التكفير، واستباحة للدماء، وليعلم المتشددون أنهم بعيدون عن روح الإسلام وسماحته، مخالفون لوسطيته ونقائه، كيف لا وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: « إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مسالك التشدد أشد التحذير فقال صلى الله عليه وسلم:« من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله». وقال صلى الله عليه وسلم:« إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردءا للإسلام غيره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك». قيل: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال:"بل الرامي".
الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن للوسطية ثمرات كثيرة على الفرد والمجتمع، فهي سبب لحصول الخيرات، وبلوغ المصالح والغايات، وتحقيق الاستقرار والتلاحم، ونشر التآلف والتراحم، وبالوسطية تعصم الأنفس، وتصان الدماء، وتحفظ الأموال والأعراض، ويغلق الطريق أمام الأفكار المنحرفة والهدامة، وهي طريق الاستقامة على الدين، بها يهتدى إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وتنال الحياة الطيبة الهانئة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). ولقد من الله تعالى علينا في هذا المجتمع الكريم بنعمة الوسطية والاعتدال، حتى توحدت الصفوف، وتآلفت القلوب، وساد الاستقرار، وعم الرخاء والازدهار، فالتمسك بمبدإ الوسطية، وتربية أبنائنا وبناتنا عليه، وتقدير النعم التي نعيش فيها حق قدرها، وشكرها كما ينبغي حفظ لها، وسبب لزيادتها، قال الله تعالى:( لئن شكرتم لأزيدنكم).