الإثنين 1 يونيو 2015 / 18:36
"لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبان"، هكذا انطلقت شعارات المتظاهرين السوريين في البداية، وواجهتها شعارات "علوية عالتابوت ومسيحية عبيروت" التي بثها النظام السوري مدعياً أن ثواراً أطلقوها، وهي صنيعة مخابراته.
تعلم السوريون منذ أربعينيات القرن الماضي إخفاء انتماءاتهم الدينية تحت وقع قمع حزب البعث العلوي الحاكم الذي تأسس بعد استقلال سوريا بعام واحد، في 1946 وأدى لتوتر في التعامل مع الحكومة ومناهضتها
ورغم كون الفروقات السياسية والاجتماعية والطبقية هي أبرز أسباب اندلاع الثورة السورية في 15 مارس(آذار) 2011، إلا أن البعض يعزو استمرار الحرب الأهلية في سوريا حتى اليوم، رغم خمود المظاهرات في بلدان "الربيع العربي"، إلى الصراع الطائفي الذي لاتزال ناره مستعرة بين الفرقاء في هذا البلاد الذي بات ممزقاً.
تنوع طائفي
ذكر تقرير "الحرية الدينية في العالم" لعام 2013، الذي يصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية، أن المسلمين السنة يثملون أغلبية في البلاد بنسبة 74%، بينما يشكل المسلمون الآخرون، بين العلويين والإسماعيليين والشيعة، ما نسبته 13% من عدد سكان سوريا، ويمثل الدروز حوالي 3%.
وبالإضافة إلى الشيعة المواطنين العرب، تعيش على الأراضي السورية جالية إيرانية (شيعية) تتركز في دمشق، كما يوجد عدد كبير من الشيعة العراقيين الذين أخذوا بالتوافد إلى البلد منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، هرباً من بطش النظام العراقي السابق، وزاد عدد هؤلاء بعد غزو العراق عام 2003، نتيجة لانعدام الاستقرار والأمن والتناحر الطائفي في بلدهم، بحسب تقرير لشبكة "سي ان ان".
العلوية عقيدةً
تعلم السوريون منذ أربعينيات القرن الماضي إخفاء انتماءاتهم الدينية، تحت وقع قمع حزب البعث العلوي الحاكم، الذي تأسس بعد استقلال سوريا بعام واحد، في 1946، وأدى لتوتر في التعامل مع الحكومة ومناهضتها، حيث لم يعرف الشعب أكان يواجه نظاماً سياسياً أم دينياً، نظراً لاستيلاء الطائفة العلوية على الحكم لعقود من الزمن.
وكان المؤسسون الأساسيون للحزب، ميشيل عفلق وهو مسيحي أرثوذكسي، والمفكر العلوي زكي الأرسوزي، وأكرم الحوراني، والبيطار، وقام الحزب في الأصل على الأقليات، لاسيما العلوية، وبعض المسلمين السنة الذين حملوا الفكر الاشتراكي، وسيطر الجيش غالباً على الأحداث والحياة السياسية، وتوالت عدة انقلابات بعد الاستقلال ونشط العمل الحزبي.
صراع عرقي ديني
تعتبر العلوية فرعاً من الإسلام الشيعي، وينتمي إليها كبار السياسيين والعسكريين المقربين من الرئيس بشار الأسد، وتنحاز أغلبية المسلمين السنة في البلاد للمعارضة، ويشمل الصراع الأقليات العرقية والدينية الأخرى، بما في ذلك الأرمن والمسيحيين والدروز والأكراد والتركمان.
وتأجج الصراع أكثر فأكثر في هذا البلد نظراً لكون المناطق التي وقعت تحت سيطرة المتمردين معظم سكانها من السنة، وتم اتهام "الشبيحة" الموالين للنظام بقتل السنة، وجرى الحث على خطف وقتل العلويين الذين يقفون إلى جانب السنة.
وفي الوقت نفسه، تعرض العلويون لسلسلة من تزايد التهديدات والهجمات القادمة من المسلمين السنة الذين يشكلون أغلبية، حيث نشرت تقارير في وسائل الإعلام الغربية تؤكد العنف الطائفي ضد العلويين من قبل المقاتلين المتمردين مثل "جبهة النصرة" و"الجيش الحر"، كما حدث في مجزرتي عقرب وحطلة، ففي سبتمبر(أيلول) 2013، أعدم مقاتلي "النصرة" 16 علوياً على الأقل في قرية مكسر الحصان، شرقي حمص.
ولم يسلم حتى الأطفال من أفكار الطائفية، حيث يردد صغار سوريا منذ زمن بعيد أغنية "علي ما مات، خلَّف بنات، بناته سود، مثل القرود، بناته بيض، مثل العفاريت"، غير مدركين لإشارتها للإمام علي بن أبي طالب، حيث أطلق الأغنية متعصبون دينيون مناهضون للشيعة.
طائفيون بامتياز
ورغم أن النموذج العراقي يشكل معضلة حقيقية للحكومة العراقية والمنطقة العربية أجمع في الشأن الطائفي، إلا أن الصراع يأخذ منحى آخر شديد التعقيد في سوريا اليوم، حيث تحولت الساحة السورية إلى ملعب للقوى الإقليمية والعالمية تتحكم فيه بطوائف ومكونات المجتمع السوري المختلفة، بشكل يستحيل معه تجاهل تأثير الطائفية في الحرب الأهلية الدائرة، كما يبدو مستحيلاً إنهاء الحرب في حال عدم انتهاء الصراع الطائفي.
جعل نظام الاستبداد الطبقي الطائفي في سوريا أي عملية تحسين اقتصادية لأوضاع وأحوال الأفراد ذوي الدخل المحدود والطبقات الدنيا تتم مع المحافظة على الفوارق الشاسعة التي تقسم المجتمع، وتشكل سداً منيعاً بين طبقاته العليا والدنيا، ليبقى الفقير فقيراً ويزداد الغني ثراءً.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة أعوام على اندلاع الحرب في سوريا، لا يُمكن استشراف المستقبل السوري، في ظل الوصول إلى نقطة تزداد معها الطائفية وتقف عائقاً في وجه التحرير من النظام البعثي، ناهيك عن ميليشيات تنظيم داعش الإرهابي التي اتخذت بدورها من سوريا مسرحاً لمسلسلات الدم التي تخرجها.