تعبيرية
الخميس 17 سبتمبر 2015 / 21:05
لم يكن دون كيخوتي يشعر بالإحراج، لو كان يفعل لانتهت أسطورته قبل أن تبدأ، الإحراج ضد المهانة، ويعكس شعوراً إنسانياً، حتى ولو كان في آخر سلم درجات الإنسانية.
البعض لا يشعر بالإحراج، فلحظة القبض على لص ربما يفكر في الكيفية التي سيعود بها بعد خروجه من السجن، الأمر نفسه ينطبق على فتاة ليل، أو مرتش، والبعض الآخر يشعر بالإحراج بسبب مركزه الاجتماعي، لحظة حدوث الموقف المفاجئ يفكر في عائلته وأصدقائه ومعارفه وربما الجمهور الذي يعرفه، وهناك درجات للإحراج، وعلى سبيل المثال الفارق كبير بين ضبطك متلبساً بالسرقة، وعطسك بشكل مفاجئ في وجه مديرك.
وعلى ذكر العطس كان موظف تشيخوف "إيفان ديمتريفيتش تشرفياكوف"، كبداية، لا يشعر بالإحراج، بعد عطسه "إذ يعطس الفلاحون ورجال الشرطة، بل وحتى أحياناً المستشارون السريون، الجميع يعطس"، ولكنه بمجرد أن رأى رذاذه يبلل الجنرال بريزجالوف بدأ ينتابه الإحراج، وهكذا استمر في الاعتذار للجنرال حتى انتهت القصة بطرده من المكتب وموته.
بطل كنوت هامسون، في رواية "جوع"، البطل الذي كان كاتباً مبتدئاً يجوب شوارع مدينة قاسية بحثاً عن لقمة، حينما ذهب إلى المطعم في إحدى المرات اختار أبعد مكان عن الضوء، حتى لا ترى العاملة الشعيرات التي تتساقط منه، تحت تأثير الجوع المتواصل لأيام، ونحوله وشحوبه الشديدين، وهو يطلب منها بصوت خافت شرائح لحم بقري، هنا الجوع يدعو للإحراج.
ولكنه في مجتمعات أخرى ليس له نفس التأثير، ففي رواية "عناقيد الغضب" وفي مخيمات اللاجئين الذين جاؤوا إلى كاليفورنيا باعتبارها الجنة الموعودة، ثم فوجئوا بأنها الجحيم متخفياً في أشجار التفاح، كان الأطفال يسرقون أقراص "الأومليت" أثناء تقليب العجائز لها في الهواء، كان القرص يطير من الآنية إلى أعلى، ولكنه لا يعود، إذ تمتد يد الطفل لتخطفه قبل أن يجري مبتعداً به.
ميرسول في "الغريب" لم يكن يشعر بالإحراج والمدينة بالكامل تقف ضده وتحاسبه، لم يشعر بالإحراج وهو يسمع كلام الرجل الكهل عن علاقته بأمه الراحلة، وكيف كانت مشاعره باردة ومحايدة في الوقت الذي كانوا يطلبون منه مشاهدتها للمرة الأخيرة، لم يشعر بالإحراج وهو يعترف بأنه ارتكب جريمة القتل تحت تأثير حرارة الشمس الفظيعة، بالعكس كان يشعر بالحيرة حينما كان يطلب منه محاميه أن يصمت ليتحدث بديلاً عنه.
"زليخا" امرأة العزيز لم تشعر بالإحراج بعد أن صدها النبي يوسف، وبدلاً من أن تتوارى عن الأنظار خططت لحفل ضخم للنساء، كأنها تبرر فعلتها، أو لتؤكد عليها، وهكذا لم تمتلك الدرجة الأدنى من درجات الشعور الإنساني، أما النبي موسى فواجه ذلك الشعور بالحرج حينما استنصره أحد شيعته، للمرة الثانية، وهكذا أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي.
يقول مثل أمريكي: "ما يحدث في الشارع يبقى في الشارع"، وهكذا ليس من البديهي أن تتحدث عن أمور جرت بصحبة آخرين في السر، وتعود لإحراجهم في العلن، بالتأكيد كلنا يخطئ، ولكن أدنى درجات الإنسانية أن يتسرب إلينا شعور بالإحراج، ولو امتلكت قدرة في المواقف البسيطة على رفع الحرج عمن تحبهم فعليك أن تفعل ذلك بلا تردد، وهناك على سبيل المثال من يكره أن تسأله عن أسباب ضيقه، فتحت تأثير الإحراج ربما يكذب، وهناك أيضاً من تحرجه بالكلام عن جمال ما يمتلكه، وهكذا ربما تحصل عليه بشكل مهين، والمعنى المبدئي لـ"أحرج الشخص" في معجم المعاني "أوقعه في الحَرَج، وجعله في وضع لا يُحسد عليه"، وبالتأكيد أنت أيضاً، لا تتمنى أن تصبح في وضع لا تُحسد عليه، ولهذا ابدأ بنفسك.