الأربعاء 6 أبريل 2016 / 21:53
يعْبر ابن رشد الأزمنة عبوراً يبعث على الدهشة والأمل في آن معاً، وهو في عبوره أو اجتيازه للزمن يصبغه بصبغة خاصة، فبين العبور والتعبير علاقة جامعة، فكلاهما من جذر واحد، (ع. ب. ر) ومن يمتلك القدرة على التعبير، يمتلك المقدرة على عبور المسالك واجتياز الآفاق، وأنا، كغيري، أرى بأن ابن رشد الفيلسوف المحتفى به بعدما تمّ اختياره ليكون شخصية محورية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، يعبّر عن لحظتنا المعاصرة محليا وعربيا وعالميا، فليس ثمة لغة حية في العالم لم يتأثر مفكروها وفلاسفتها بابن رشد ولا ثمة مفكر مستنير لم يكن ابن رشد زيتا يضيء قناديله في وحشة الليل، إذ قادت حكمته العقل ليتجنّب العثرات.
أجل! هو اختيار رمزي، يحمل رسائل شتى، فنحن لا نعرف عاشقاً للكتاب ومخلصاً للكتابة ومحباً للقراءة مثل ابن رشد في تاريخ العرب أو في حاضرهم فهو، كما يروى، لم ينقطع عن القراءة إلا في ليلتين: ليلة وفاة والده، وليلة زواجه! لهذا فإنه من الشخصيات الباهرة التي ينبغي تذكرها والتذكير بها في العام الذي تحتفي فيه الإمارات بالقراءة كي تنير العقول وتفتح الآفاق نحو نور المعرفة وبصيرتها، وسيكون من الطبيعي أنْ يتخذه المعرض رمزاً للقراءة في عام القراءة.
لقد تعلم ابن رشد من والده محبة المعرفة، وما التقيا إلا طالعاً كتاباً أو اشتغلا في مسألة علمية، ويبدو أن الكتاب يذكر ابن رشد، بوالده ، فيحذو حذوه ويقلد مسلكه، لكنّ ابن رشد فقد المقدرة على الاستمرار في القراءة، ساعة سمع نبأ وفاة والده، ولا أحد يدري أي حزن شعر به، وقاده إلى التوقف عن القراءة، فصار في وسعنا ان نعرف حالتين قادتاه إلى التوقف عن القراءة، حالة الحزن الشديد لفقد الوالد، وحالة الفرح الشديد بلقاء الحبيبة، لكن ابن رشد بقي يحسن استثمار وقته لتطوير عقله، وذلك لا يتحقق بدون مطالعة كتاب.
أما الرسالة الثانية وراء اختيار ابن رشد شخصية محورية في المعرض فتتمثل في كونه، أحد أهم الذين أسسوا لمقاربة حية بين الحكمة والشريعة، بين العقل والنقل، واتخذ طريقا وسطا، إذ الحكمة، صاحبة الشريعة وربيبتها متحابتان ومصطحبتان، لا يفرقهما هوى متشدد، ولا انفلات مفرّط، وبذلك أدرك بأن التناقض بين العقل والنقل، كما يحاول استغلاله المتشددون اليوم، أعداء الثقافة والتنوير، ليس الجوهر، فالله أعطى الإنسان عقلا ووهبه شريعة في الوقت نفسه، وإن كان مصدر العطاء واحداً، فحريّ بهما أن يكونا منسجمين غير متناقضين، وما التناقض بينهما إلا فهم مخل للشريعة أو ارتباك موهوم في الوعي، كما كان ابن رشد يرى.
كان ابن رشد ملهما في مقاربته للفلسفة، وأحد أكبر شراح أرسطو مبسّطا فلسفته بلغته العربية البهية، متجاوزاً التحديات الاصطلاحية، وهذا الأمر نفسه هو الذي جعل السلفيات المتشددة سواء أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية تدرك أن ابن رشد زحزح خرافاتهم ونقضها عندما جعل، الناس ينصتون لأقوال آرسطو ويفهمونها، فرشقوه باتهامات لا أول لها ولا آخر، دون أن يسوقوا مثالا واحدا يثبت ما ذهبوا إليه. كانت التهمة معدة سلفاً، يدفعها الحسد ويتحكم فيها التدافع المخل بين الأقران، لكنه ورغم أنه قد ظل مهجوراً في بيته استمر في عمله الدؤوب، وحيداً منعزلاً، وإمعاناً في أذيته، جمعت كتبه أمام عينيه، كما فعل داعش في تدمير المكتبات وإحراق الكتب، فاضرم فيها النيران، لكن تلميذه كان يرى هذا المشهد الفظيع ويبكي ألما وحرقة وحسرة، وهنا يتدخل ابن رشد بهدوء، لينير بصيرته ، كما كان يفعل دوما، فقال له متحسسا ألمه: إن كنت تبكي على حال المسلمين فلن يكفيك البحر دموعا ولكن إن كنت تبكي على الكتب المحروقة فاعلم أن للأفكار أجنحة تطير إلى أصحابها. وقد طارت أفكار ابن رشد إلى أوروبا في عصر النهضة وصارت جزءا من المكون العقلي للنهضة هناك وصار ابن رشد أحد باعثي تلك النهضة واشتد النقاش حول أفكاره وتم البناء عليها وتجاوزها، وهو امر طبيعي، لكنّ أحداً لم يفكر بحرق مقولاته وإضرام النار في كتبه.
للأفكار أجنحة، كما قال ابن رشد، وكما يدرك معرض أبوظبي الدولي للكتاب وهو يحتفي في دورته السادسة والعشرين بابن رشد، لا تخطيء صاحبها ومن يحرص عليها، تطير لتتجاوز الجدران وتكسر القيود وتتعالى على الحدود، وتولد من جديد من حطامها مثل طائر العنقاء، وتبقى مستمرة في طيرانها عابرة للأزمنة، وتكسب من يتلقاها بنبض منفتح معنى آخر للحياة وبصيرة متجددة للوجود، إذ الفكرة لا غلاف لها ولا إطار ولا تعلق على الجدران في البرواز، إنها حرة لا يمكن تقييدها وتحديدها، كما جماعات الإسلام السياسي التي تريد المتاجرة بها ، وحسنا فعل د. جمال سند السويدي في كتابه القيّم "السراب" الذي نقدم له التهنئة بفوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن فرع التنمية وبناء الدولة في هذه الدورة، عندما توقف مليا عند مقولة ابن رشد: "إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني"، وهذا التغليف حسب ابن رشد والسويدي هو نوع من أنواع الخطابات السرابية، التي توهم بالحق لكن الجوهر فاسد، وتوهم الظمآن بالماء لكن لا خصب فيها ولا ماء. ولعل دورة ابن رشد للكتاب في أبوظبي هذه السنة ستقدم رؤية عميقة له، تعيد الحياة لأفكاره النابضة بالحياة المفعمة بالمحبة التي يحتاجها الناس في العالم العربي اليوم اشد الاحتياج، لاسيما وهم يعايشون ثقافة الموت والاحتراب والعصبيات والإرهاب، ولعل ذلك يشكل حافزا للتعليم كي يرد الاعتبار للفلسفة، كما كانت، وتعود إلى الفصول الدراسية من جديد لتدافع عن ثقافة البناء والحياة ضد ثقافة الهدم والموت، ذلك أن الأفكار لها أجنحة تعود مهما حاولنا أن ندير لها ظهرنا بحجج فارغة لا بصر فيها ولا بصيرة. فعودة الفلسفة إلى المدرسة هي عودة للعقلانية ونفي للخرافة وبعث للتفكير النسبي يحارب الوثوقية التي ملأت حياتنا صراخا خالياً من المعنى.