الجمعة 3 يونيو 2016 / 13:56
تروي صحافية أمريكية قصة أبو ماجد، العراقي من أبناء الطائفة الإيزيدية التي ذاقت الأمرين على يد داعش عندما اكتسح منطقتهم صباح الثالث من أغسطس( آب) ٢٠١٤، بعدما استولى على مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا.
ويقول أبو ماجد أن المرة الأخيرة علم شيئاً عن زوجته وبناته الأصغر، كانت في أكتوبر( تشرين الأول) ٢٠١٥، عندما استعرن، لدقائق قليلة، هاتفاً مهرباً من رهينة أخرى، ليخبرنه أنهن على قيد الحياة وما زلن في تلعفر، مدينة في شمال غرب العراق، استولى عليها داعش في صيف ٢٠١٤
في ذلك اليوم اتخذ الرجل أكثر القرارات إيلاماً في حياته. فقد أدرك عند اقتراب الجهاديين من قريته، أنهم سوف يقتلون رجال القرية. ولذا قام بإرسال زوجته وبناته الأربع للإقامة بأمان مع بعض الأقارب في قرية أخرى، وبدأ صعود جبل سنجار مع ابنه الوحيد.
خطف عائلته
وتروي صوفي ماكبين، محررة في صحيفة نيوستيتمان، حكاية الرجل بعدما التقته في كردستان العراق، واصفة إياه بأنه رجل مرح مشهور في قريته خناصر، في شمال العراق، والتي عاد إليها ليفتتح مطعماً صغيراً، لاقى رواجاً كبيراً، بعدما تعلم الطهي في بغداد عند إقامته هناك سنوات.
روى أبو ماجد لماكبين أنه ما إن بدأ رحلة صعود جبل سنجار، حتى رن هاتفه النقال، ورأى على شاشته رقم ابنته التي همست: "أسرونا".
وعندها قرر أبو ماجد العودة في محاولة لإنقاذ زوجته وبناته، وهو على علم بأنه سيكون أشبه بانتحاري. وعند وصوله مع ابنه في اليوم التالي إلى قريته، وجدها مهجورة ومدمرة، فعادا أدراجهما إلى جبل سنجار، منضمين إلى عشرات الآلاف من الإيزيديين الذين بقوا على قمته دون طعام ولا شراب تحت أشعة الشمس الحارقة لعدة أيام.
مساعدات من الجو
ولكن، وبعد أيام قليلة من الحصار، ألقت لهم طائرات عسكرية عراقية وأمريكية وبريطانية وأوسترالية شحنات من الأغذية والمياه. ثم شنت القوات الأمريكية حملة جوية لفك الحصار عن الجبل. وبعد أيام، تمكنت قوات سورية كردية من فتح طريق فرعي لهم عبر خطوط داعش، وسارع المحاصرون إلى نزول الجبل مشياً لمدة ١٤ ساعة نحو الحدود السورية، ومن ثم نحو إقليم كردستان العراق.
يبكي ويعتذر
تقول ماكبين إإنها في مارس( آذار) الماضي التقت أبو ماجد في دهوك، مدينة يسكنها ٣٥٠ ألف شخص، وتقع وسط حقول خصيبة في غرب كردستان، حيث يسود سلم مشوب بالحذر.
تصف المحررة الرجل بأنه قصير وأصلع، وذو شارب كثيف ووجه نحيل حزين. وقد بكى عدة مرات وهو يروي حكايته، ويحدق ملياً في كوب شاي لم يمسه، ومن ثم يعتذر عن بكائه. وهو يقيم بمفرده في معسكر للاجئين قريب من مدينة شاريا، ويطهو الطعام لكتيبة من الجنود الإيزيديين.
ولا يتقاضى أبو ماجد أجراً عن عمله، ولكنه يجد فيه بعض السلوى وشيئاً يشغله قليلاً عن مصيبته ووحدته، وخاصة بعدما التحق ابنه الوحيد، الذي هرب معه، بالجامعة لدراسة الصيدلة.
آخر اتصال
ويقول أبو ماجد إن المرة الأخيرة علم شيئاً عن زوجته وبناته الأصغر، كانت في أكتوبر( تشرين الأول) ٢٠١٥، عندما استعرن، لدقائق قليلة، هاتفاً مهرباً من رهينة أخرى، ليخبرنه أنهن على قيد الحياة وما زلن في تلعفر، مدينة في شمال غرب العراق، استولى عليها داعش في صيف ٢٠١٤. ولا يعرف أبو ماجد شيئاً عن ابنته الكبرى، ماجدة، منذ مارس( آذار) ٢٠١٥.
مهربون
ونقلت ماكبين عن أبو ماجد أن مهرباً اتصل به قبل أيام من لقائها به، وأنه شعر بريبة منه. وكان المهرب عربياً مسلماً من مدينة سنجار، وقد عمقت مجازر داعش من شعور الإيزيديين بعدم ثقة بجيرانهم المسلمين. ولكن كون المهرب مسلماً وعربياً، فقد استطاع التحرك في مناطق داعش دون لفت الانظار إليه، وخاصة لكونه يتحدث للجهاديين بلغتهم.
وقال المهرب لأبو ماجد إن ابنته الكبرى أجبرت على العمل كممرضة في مستشفى في الرقة، معقل داعش في سوريا. وقدم له تفاصيل تطابقت مع معلومات قليلة استقاها الرجل من رهائن سابقين. وطلب المهرب من أبو ماجد تأمين ١٨ ألف دولار من أجل تحرير ابنته وإعادتها إليه.
وقرر أبو ماجد أن يثق بالرجل، وذلك رغم عدم توفر المبلغ المطلوب لديه. وقرر أن يبدأ في" التوسل" لأقارب وأصدقاء وجمعيات أهلية من أجل مساعدته، بمجرد تلقيه تأكيدات من المهرب بشأن إتمام الصفقة مع داعش.
لا خيارات
وتقول ماكبين، في ظل عدم توفر خيارات كثيرة، ليس أمام إيزيديين يائسين، مثل أبو ماجد، سوى اتباع وسائل خطرة ومكلفة من أجل إنقاذ أحبتهم، وتحريرهم من أسر داعش.
من جهة أخرى، وضع بعض الإيزيديين ثقتهم في مجموعة أخرى من محرري الرهائن، وهم إيزيديون مثلهم يقولون أنهم ابتدعوا وسائل محكمة لإنقاذ سبايا، وإخراجهن من مناطق سيطرة الجهاديين. وتمتد شبكات أولئك المهربين في عمق مناطق داعش في سوريا والعراق، ولكن يتم الترتيب للعمليات في كردستان العراق، التي لجأ إليها آلاف الإيزيديين، ويقيمون داخل معسكرات خاصة بهم.
حلم الحرية
ويحلم الإيزيديون بيوم يعود إليهم جميع أسراهم، ولكن قليلين منهم يدرك حجم الآلام والمعاناة النفسية التي تبقى ملازمة للمحررات، حيث لا تغيب عن أذهانهن ذكريات مريرة، والقلق على مصير من بقى في الأسر، فضلاً عن مواجهة تحقيقات جهات رسمية، ووجوب الاستجابة لاستفسارات محرجة يطرحها أقارب وأصدقاء.