السبت 30 يوليو 2016 / 10:42

هذه هي أمريكا

صبحي غندور - الراي الكويتية

"هذه هي أمريكا"... كان عنوان الفيلم الوثائقي الذي شاهدته في نهاية عقد السبعينيات، وقبل أن تطأ قدماي أي أرضٍ أمريكية، وهو الفيلم الذي أحدث ضجّةً إعلامية آنذاك بسبب ما عرضه من مشاهد حقيقية عن الوجه المظلم للولايات المتحدة. ففي الفيلم، نشاهد مناطق حافلة بالفقر والجرائم والمخدرات ومظاهر التخلّف، وهي مناطق في مدن وولايات مشهورة بجمالها كنيويورك وواشنطن وكاليفورنيا وفلوريدا وغيرها. وقد اكتفى الفيلم بعرض الجوانب السلبية فقط ممّا هو موجود وما يحدث في أمريكا. طبعاً، تكرّرت اتّهاماتٌ آنذاك بأنّ منتجي الفيلم يخدمون الدعاية الشيوعية التي كانت تقودها موسكو ضدّ الحياة الرأسمالية الأمريكية.

واقع الحال، أنّ أمريكا، كما معظم بلدان العالم، كانت، وهي الآن، رمزاً للشيء ولنقيضه معاً. فالوجه البشع لأمريكا في تاريخ حروبها العديدة يقابله تفوّقها أيضاً بتقديم المساعدات الإنسانية الخيرية لكثير من شعوب العالم التي تتعرّض لنكبات. وأمريكا التي أوصلت إلى البيت الأبيض أوّل رئيس أمريكي من أصول إفريقية مهاجرة، هي نفسها التي تعاني الآن من عنصرية بعض رجال الشرطة ضدّ الأمريكيين السود. وأمريكا، التي تتحكّم باقتصادياتها المؤسسات المالية الكبرى ومصانع الأسلحة، هي التي كشفت حجم الفساد الكبير في الاتحاد العالمي للعبة كرة القدم ولدى حكومات بعض الدول حتّى الصديقة منها لأمريكا. وأمريكا التي تدين الإرهاب وقتل الأبرياء المدنيين وتلاحق الجماعات الإرهابية، هي نفسها التي استخدمت السلاح النووي لإنهاء الحرب مع اليابان، وهي التي قتلت مئات الألوف من المدنيين في حروبها بفيتنام والعراق وأفغانستان.

أمريكا هذه، تخوض الآن حملاتٍ انتخابية هامة ستقرّر حاضرها ومستقبلها من خلال الصراع السياسي الدائر حالياً بين حزب جمهوري يقوده يمين متهوّر على رأسه دونالد ترامب، وبين حزب ديموقراطي تتفاعل فيه تحوّلات أفرزت تيّاراً شعبياً متنوّراً قاده بيرني ساندرز، الذي سيبقى تأثيره كبيراً في الحزب وفي قاعدته الشعبية رغم أنّه لم يحصل على الترشّح لمنصب الرئاسة.

ونجد في الحزبين، الجمهوري والديموقراطي، خروجاً للقاعدة الشعبية لدى كلٍّ منهما عن رغبات القيادات التقليدية، حيث ظهر ترامب في الجمهوري، وساندرز في الديموقراطي، وكان الأوّل تتويجاً لهيمنة تيّار محافظ ومتهوّر ومتمرّد عند الجمهوريين بدأ مع ظهور «حزب الشاي» منذ نحو 8 سنوات، والثاني (أي ساندرز) كان تأكيداً لقوة تيّار سياسي متنوّر ظهر عند الديموقراطيين منذ المؤتمر الحزبي في 2004، وتكرّس بفوز باراك أوباما في 2008.

هذه المتغيّرات جارية في الحياة السياسية الأمريكية منذ مطلع هذا القرن الجديد، وبعد تداعيات 11 سبتمبر 2001، حينما ارتبط موضوع الأمن الداخلي بحروب كبيرة في العراق وأفغانستان، وبمسائل لها علاقة بالعرب وبالمسلمين وبالأقليات الدينية والعرقية في أمريكا، إضافةً طبعاً للدور الخطير الذي قام به من عُرِفوا باسم «المحافظين الجدد» في صنع القرار وفي تغذية مشاعر الخوف لدى عموم الأمريكيين، ممّا دعم أيضاً الاتّجاه الديني المحافظ في ولاياتٍ عدة، خصوصاً بعد فوز أوباما بمنصب الرئاسة وما سبّبه ذلك من عودة مشاعر العنصرية لدى بعض الأمريكيين، وخوفهم على نهاية عصر «أمريكا البيضاء البروتستانت الأنغلوسكسون».

إنّ الوجه الجميل لأمريكا ظهر في 2008 بانتخاب مرشّح للرئاسة هو ابن مهاجر إفريقي مسلم أسود اللون، ولا ينحدر من سلالة العائلات البيضاء اللون، الأوروبية الأصل، والتي تتوارث عادةً مواقع النفوذ والثروة، لكن خلف هذا الوجه لأمريكا يوجد وجهٌ آخر، بشعٌ جداً، يقوم على العنصرية ضدّ كل المزيج الذي رمز له فوز أوباما. فهي عنصريةٌ عميقة ضدّ ذوي البشرة السوداء، وشاهدنا في السنوات الأخيرة ممارساتٍ عنصرية كثيرة حدثت. وهي عنصريةٌ متجدّدة ضدّ كل أنواع المهاجرين الجدد من غير الأصول الأوروبية، وهي عنصرية نامية ضدّ الأقليات ذات الأصول الدينية الإسلامية، حيث سمعنا العديد من التصريحات عن هاتين المسألتين في خطب دونالد ترامب وغيره من المرشّحين الجمهوريين. فكيف لو اجتمعت مع ذلك كلّه فعالية شركات ومصانع وقوى ضغط ومؤسسات مالية وإعلامية ضخمة لا تجد في أجندة هذا المرشّح أو ذاك ما يخدم مصالحها الداخلية والخارجية؟!.

هكذا هي الآن المعركة الانتخابية غير التقليدية، فهي ليست فقط حول الأمور الاقتصادية والاجتماعية التي تطغى أحياناً على سطح الإعلام، بل هي أيضاً حول المسائل المرتبطة بالدين والعرق والثقافات. إنّها معركة كيفيّة رؤية أمريكا للمستقبل وللاتّجاه الذي سيسير نحوه المجتمع الأمريكي. فالأمر بالنسبة للجمهوريين المحافظين أشبه بانقلابٍ مطلوب على الانقلاب الذي حدث في 2008.

أيضاً، هناك صراع خفيّ في الانتخابات، بين معسكرين من الشركات والمؤسسات الكبرى التي تقوم عليها الحياة السياسية. وقد نشأت لبنات هذا الصراع الحاصل الآن بين «معسكريْ النفوذ» في أمريكا مع نهاية عقد الثمانينيات حينما انهار الاتحاد السوفياتي، وسقطت معه حقبة الحرب الباردة التي تعاملت معها كل مواقع النفوذ بالمجتمع الأمريكي وكأنّها حربٌ مستمرّة إلى أجلٍ غير محدّد زمنياً.

فالتحوّل الذي حدث بعد سقوط المعسكر الشيوعي أنّ المجتمع الأمريكي بدأ يشهد فرزاً بين من كانوا يستفيدون من «الحرب الباردة» ومن «الحروب الساخنة» المتفرّعة عنها في بقاع العالم، وبين مجموعات أخرى في أمريكا وجدت مصلحةً في إشاعة مناخ «العولمة» ومحاولة تثبيت الريادة الأمريكية للعالم عبر التحكّم بالتجارة العالمية وأسواق المال وصناعة التكنولوجيا وفق نظرية العالم هو «قرية صغيرة واحدة»!

هذا المعسكر «المالي/‏التجاري/‏التقني»، الذي يمكن تسميته اختصاراً بمعسكر «السلام»، يجد في الحزب الديموقراطي مظلّةً لمفاهيمه وأجندته بعدما كان معسكر «صناعة الحروب» قد انخرط مع الحزب الجمهوري، في حقبة رونالد ريغان وما تلاها من عهد جورج بوش الأب، وهي حقبة شهدت طيلة 12 عاماً تصعيداً شاملاً في الصراع مع الاتحاد السوفياتي وحروباً ساخنة امتدّت من أفغانستان إلى إيران والعراق ومنطقة الخليج، إلى الغزو الإسرائيلي للبنان، ثمّ إلى حرب الخليج الثانية وتداعياتها الإقليمية، وهي حروب أثمرت كلّها نموّاً هائلاً في صناعة وتصدير الأسلحة وأدّت إلى التحكّم بالثروة النفطية وتوظيف ارتجاج أسعارها صعوداً وهبوطاً وتجارة. وقد نجح معسكر «السلام» في إيصال بيل كلينتون للرئاسة، فكانت حقبة التسعينيات هي حقبة «العولمة» وانتعاش الاقتصاد الأمريكي والتجارة العالمية، بينما انخفضت في هذه الفترة ميزانية الدفاع وعوائد شركات الأسلحة والنفط والصناعات الحربية.

وكما كانت فترة حكم الديموقراطيين أيام جيمي كارتر (1976-1980) متميّزة بسعيها لتحقيق تسويات سياسية لأزمات دولية، كذلك كانت حقبة كلينتون (1992-2000)، وهي الآن أيضاً سمة فترة حكم أوباما، بينما طغت الحروب على سمات حكم الحزب الجمهوري في الثمانينيات وفي فترتيْ حكم بوش الأب ثمّ بوش الابن.

لذلك، هذه السنة الانتخابية، حاسمة ومهمّة جداً في إطار الصراع بين «المعسكرين» داخل المجتمع الأمريكي: «معسكر الحروب» الذي يدعم الحزب الجمهوري، و«معسكر السلام» الذي يقف بقوّة الآن خلف الحزب الديموقراطي.

أيضاً، فإنّ الأسابيع المقبلة حبلى باستحقاقاتٍ عديدة في الشرق الأوسط ترتبط بأوضاع سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان، وبكيفية إنهاء «دويلة داعش»، وبمصير الملف الفلسطيني. وهي قضايا كلّها موجودة الآن على أجندة أوباما في الأشهر الأخيرة من فترة رئاسته، ولا نعلم ما الذي سيبقى منها على طاولة الرئيس الجديد أو «الرئيسة».

لكن في الخلاصة، ينطبق على أمريكا أمثولة القمر الذي حتّى لو كان بدراً فله وجهٌ آخر مظلم، لكن الفارق أنّ العالم يرى هذا الوجه المظلم لأمريكا في كثيرٍ من الأحيان. ويبدو أيضاً أنّ الحكومات هي كالأفراد ينطبق عليها الآية القرآنية الكريمة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. فعسى ألا يعيش العالم من جديد فجور السياسة الأمريكية!