رواية زوربا لكازانتزاكي.(أرشيف)
الخميس 5 يناير 2017 / 19:26
كان زوربا يرى أنَّ الإنسانية ضلَّت طريقها عندما تركت الطفل البدائي الذي عاشته يوما ما، هذا الطفل الذي كان يتعامل مع مفردات الكون من حوله بدهشة مطلقة
شغل مفهوم"اليوتوبيا" Utopia أساسًا فلسفيًا عميقا جدًا بدأ تاريخيًا في كتاب"الجمهورية" لأفلاطون الذي رسم فيه متخيّله الشخصي لمدينته الفاضلة التي كانت خاضعةً خضوعًا مطلقًا لمرجعياته الفكرية الاعتقادية بحيث أخرج الشعراء من جمهوريته واحتقر أصحاب الحرف والصنائع، ومرورًا ب"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعريّ الذي أخضع الشعراء إلى تصنيفاتٍ معينة فأدخل بعضهم النار وأدخل بعضهم الجنة. وعندما نتساءل: ما المعيار؟ سنجد أنَّ المعيار كان مرة أخرى مرجعية أبي العلاء المعري من أجل خلق مجتمع مثالي في جنته المتخيّلة لا يدخلها إلا من تنطبق عليه معاييره هو. ولم يختلف دانتي أليجيري في عصر النهضة الأوروبيّة عن معايير أبي العلاء المعري؛ فقد أخضع شعراء عصره ومثقفيه لمعاييره ومرجعياته الاعتقادية في عمله الضخم"الكوميديا الإلهية" رغم أنَّ إيطاليا كانت تتسارع خطواتها آنذاك لبناء مجتمع تنويريّ خاصة مع عهد أسرة آل مديتشي الفلورنسية راعية الفنون. وبالتالي فإنَّ مجتمع دانتي أليجيري أو جنته كانت مصنَّفة ضمن معايير محددة لايدخلها إلا من يجتازها.
يعود ظهور مصطلح "يويتوبيا" إلى الإنجليزي توماس مور الذي قصد بها مجتمعًا مثاليًا يتحقق فيه الخير والسعادة لبني البشر. وقد تناول عدد كبير من المفكرين الغربيين مفهوم"اليوتوبيا" وأشير هنا إلى العمل الأكاديمي الرائع الذي أنجزه المفكر الفرنسي بول ريكور في كتابه"محاضرات في الإيديولوجيا واليوتوبيا".
تناقش رواية "زوربا" للروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكي في مفهومها العميق فكرة السعادة من وجهة نظر فلسفية، وإن كان كازانتزاكي قد توسّل لبيان هذه الفكرة بالطابع الروائي المتخيّل. كان كازانتزاكي قد أكَّد في أكثر من حوار أُجري معه أنَّ شخصية "زوربا" هي شخصية حقيقية واقعية لشخص عاصره الكاتب، رغم نفي معاصري هذا الروائي من أصدقائه وجود شخص عاصره كازانتزاكي بهذا الاسم. ولكن لايهمنا في هذا السياق مدى واقعية الأنموذج الروائي كونه قد أُخضِع َ إلى متخيّل روائيّ وفلسفيّ عميق جدًا أخرجه عن واقعيته المرجعية البحتة.
إنَّ شخصية "زوربا" كما صوّرها كازانتزاكي كانت أنموذجًا للشخصية الحيوية المفعمة بالطاقة والبهجة العارمة والعنيفة في حب الشهوات وفي الانفعال حد الضحك المفرط والبكاء المفرط كذلك..الشخصية التي لاتعترف سوى برغبتها الكبيرة للحياة وبالتالي تجتمع فيها البدائية والحيوانية والشهوانية المفرطة والمقدس والمدنس والطموح اللامحدود وتقديس قيم العمل إلى درجة الصرامة في ذلك. وقد أنتجت هوليوود فيلم"زوربا" في ستينيات القرن الماضي وكان دور البطولة من نصيب البطل العالمي الإيطالي أنتوني كوين الذي نجح نجاحًا كبيرُا في تجسيد تلك الشخصية، ولا أزال حتى الآن أذكر الرقصة الشهيرة في الفيلم"رقصة المطر". ولكن أرى أنَّ الفيلم لايعطيك متعة المتخيّل كما هو حال الرواية التي تجعلك تحلق في آفاق لامتناهية من التأويل. وقد حوّلت هذه الرواية كذلك إلى أوبرا وإلى عدة مسرحيات عالمية لاتزال تًعرض حتى الآن على أرقى المسارح الكبرى.
تصف رواية "زوربا" تلك الثنائية المتضادة والعنيفة في شخصية اليوناني بين حضارة إغريقية كانت تحتفي احتفاء ًكبيرًا بالجسد في مقابل ميراث لاهوتي كهنوتي أخضع الجسد إلى طائفة من المحاذير الدينية. وبالتالي تمثل رواية "زوربا" هذا التضاد والتناقض في مجتمع يوناني تقليدي كان لايزال يخضع لمعطياته الكنسية رغم عبوره للحداثة. وفي مشهد دال من الرواية يعبر زوربا عن حزنه العميق عندما رجم أهالي القرية الأرملة الحسناء الشابة بعد اتهامهم لها بالزنا..يدخل زوربا إلى تلك الجموع المحتشدة ويحاول حماية الأرملة الشابة من الحجارة المتقاذفة عليها، وعندما لاينجحُ في الدفاع عنها بسبب كثافىة الحشود الغاضبة يصرخ في الجميع "يا إلهي كيف يُقتل الجمال بهذه القسوة؟! كيف يموت الجمال في هذا العالم" ويبكي بكاءً شديدًا وهو يحمل جثة الأرملة الجميلة في حين يقف عاشق هذه المرأة الشاب المهذب المثقف بعيدًا ساكنًا دون أي انفعال ودون أي دفاع عن معشوقته.
كان زوربا يرى أنَّ الإنسانية ضلَّت طريقها عندما تركت الطفل البدائي الذي عاشته يوما ما، هذا الطفل الذي كان يتعامل مع مفردات الكون من حوله بدهشة مطلقة وكأنه يراها كل يوم للمرة الأولى فلا يكف عن التحديق الجميل فيها. وهكذا كان زوربا بالفعل يفتح كل يوم عينيه على اتساعهما للتحديق في الكون المدهش من حوله وبهذا اكتسب شغفًا متجددُا بالأشياء لا يعرف طريقًا إلى الملل والرتابة.
لقد سعى الشاب المثقف رفيق زوربا في الرحلة إلى تأسيس مجتمعه المثالي الذي يحقق فيه "اليوتوبيا" وفقًا لمفاهيمه عن الكون والسعادة في خلق مجتمع تتساوى المرأة والرجل وتُزال فيه الحدود بين الفقراء والأغنياء ليصبحوا سواسية، ولذلك اشترى منجمًا للفحم في جزيرة يونانية"كريت" كي يحقّق فيه مجتمعه المثالي. وهو المجتمع الذي استقى مفهومه من قراءاته الواسعة العميقة وتأثره الكبير ببوذا للارتقاء بالجسد وتحريره.وفي نهاية الرواية يتعثر مشروع المنجم تعثرًا كبيرًا ورغم ذلك فإنَّ زوربا لم يتوقف عن الرقص والابتهاج بالحياة رغم مآسيه وانكساراته وآلامه، وكان يتخلص سريعًا منها بالرقص. ولذلك كان زوربا وهو يرقص رقصة المطر يقول للشاب المثقف "أنت شاب لو كنتُ في صحتك وجمالك لما توقفت عن الرقص". ورغم انهيار أحلام زوربا في تحقيق اليوتوبيا التي كان رفيقه يسعى إلى تحقيقها بعد تعثر مشروع المنجم فإنه لم يستسلم للانكسار. وبدلاً من ذلك شرع في تأسيس أسرة جديدة له مع زوجة جديدة تنجب له أطفالاً رغم سنه الكبيرة آنذاك وتواصلت ضحكاته الطفولية تتناثر في الكون من حوله. وتخلص الرواية في خاتمة المطاف إلى بيان أنَّ يوتوبيا السعادة الحقة تكمن في الالتصاق الحميم بروائح الأرض وفي التوحّد مع المخلوقات كافة وفي الرجوع إلى الطفل البدائي فينا الذي لايكف عن التحديق بجمال في مفردات الكون من حوله.
ويبقى تتبع فكرة "اليوتوبيا" فلسفيًا من خلال المتخّيل الروائي متعة كبيرة تعطيك العمق في الوقت ذاته.والجدير بالذكر أن هذه الرواية الرائعة خضعت لترجمتين عربيتين من اليوناني مباشرة: الأولى قام بها خالد رؤوف عن المشروع القومي للترجمة والأخرى قام بها أستاذ الأدب اليوناني محمد حمدي إبراهيم عن الهيئة المصرية العامة للكتاب(سلسلة المائة كتاب).