الثلاثاء 15 مايو 2018 / 17:24
يأخذ أدب الرحلة منحنيات عدة غير تلك التي يغرق فيها البعض، إذ يحمل جوانب عديدة وأزمنة وشبكة إنسانية مثيرة للفضول، وفي أحد تلك الجوانب تبرز الرحلة الشرقية إلى الغرب والرحالة الغربيون جهة الشرق في الحين ذاته.
التقى 24 بعض أبرز مترجمي ودارسي والمعنيين بهذا اللون الأدبي، في نقاش مطول حول تلك المسألة ونماذج للرحلات من فارس والمغرب، ورحلة الروح كذلك.
روح تسافر في أجسادويقول الروائي الألماني الحائز على جوائز عالمية، ديفيد فاغنر لـ 24: "روايتي عن رحلة الأرواح، حيث البطل موجود في غرفة واحدة لعام، ويذهب في رحلة حول العالم من غرفته تلك، حيث الحياة، الروح تسافر به، فهو ضابط فرنسي في السجن، والكتاب ككل عن مسألة إنقاذ الإنسان من الموت، والأهم الموت على قيد الحياة، ويبدأ رحلته تلك حقاً عبر أعضاء تزرع في أجساد أخرى، وهذه الرواية قصتي الحقيقية بشكل ما، بعد رحلتي في المستشفى منذ 12 عاماً، وأسافر اليوم في رحلاتي شرقاً وغرباً، ولي انطباعات عميقة عن الثقافة العربية، خاصة الإمارات التي زرتها أخيراً في معرض الكتاب الدولي 2018".
ويضيف فاغنر: "أدب الرحلة بين الشرق والغرب والعكس، يستحق الكثير من الدراسة والاهتمام، ومما أرى، هناك في هذا الفن العظيم أكثر بكثير من الرحلات التاريخية المعروفة، مثل الروايات التي تحمل في طياتها هذا الجنس الأدبي المميز، حيث تنظر لحياة واحدة أو زمن واحد بعيون كثيرة".
البلاط القاجاريوتقول الشاعرة والمترجمة الإيرانية، مريم حيدري: "من أبرز ما نقل أدب الرحلة الفارسية برأيي، المشهد الاجتماعي عامة في البلاط القاجاري ووضع المرأة هناك خاصة، في ما حكاه ناصر الدين شاه".
ويقول الحائز على جائزة ابن بطوطة في أدب الرحلة، والباحث والمترجم رشيد بن القيلة: "حين نقلت رحلة ناصر الدين شاه عن الفرنسية، أدركت هذه الشخصية المهمة في البلاط القاجاري، رحلة مديدة طاف أوروبا وصرف قرابة العام في نهايات القرن 19 عام 1873".
ويضيف: "هذه الرحلة لعبت دوراً مهماً في الحديث عن النثر الفارسي الحديث، لها قيمة أدبية وحرضت أدباء إيران على الكتابة في نوع مثل أدب اليوميات وخصوصً يوميات التواصل بين الأمكنة".
تفسير الأزمةويقول القيلة: "هناك مواضيع كثيرة مهمة تشكل مدخلاً لهذا العمل من ناحية الحمولة المعرفية لها وجوانب جغرافية وتاريخية وكذلك لغته وأسلوب كتابته، نبدأ من هنا، فأسلوب الكتابة الذي طبع هذه الرحلة هو أسلوب بسيط جداً جمل قصيرة تتبعها نقطة وأحياناً كلمة، لا يستعمل وسائل الربط، وقد يشكل ركاكة ما لكنه شبيه بالنمط الإداري وهذه الفكرة كانت من ناصر بن شاه أن يدون رحلاته وينشرها في الروزنامة الرسمية الجريدة الإيراني كطريقة حديثة للتواصل مع رعاياه، وأسس بذلك طريقة جديدة للكتابة وأصبحت موضة في ذلك الوقت".
وخلال رحلة الشاه التي دامت شهوراً، كان ملك بروسيا نصب إمبراطوراً على ألمانيا في اتفاقية فرساي 1881، وزار الشاه روسيا بروسيا بولونيا إنجترا سويسرا إيطاليا فرنسا النمسا المجر تركيا، ثم عاد عبر القوقاز والتقى بنفس الشخصيات التي التقى بها حين غادر إيران.
ويقول القيلة: "لأهمية هذا الحدث بمجرد أن نذكر 1873 هي سنة تحولات عظمى لا في المشرق ولا المغرب ولا الغرب فإذا كان الرحالة الغرب يرون في الرحلة إلى المشرق ذلك الطابع الغرائبي بالعكس كانت الرحلة من الشرق للغرب، مبنية غلى المنطق كانت واقعية لترى كيف بدأت الهوة تتسع بين الشرق والغرب وتجد تفسيراً لأزماتها الحضارية".
الصحن الحيدري .. قطار الحضارةويضيف: "كان ناصر بن شاه رجلاً متنوراً كنخب الشرق والعرب والمسلمين مثل الأمير فخر الدين المعني والسلطان العماني حارب ورفاعة الطهطاوي وغيرهم ممن برزوا لتقليص تلك الهوة للاقتداء بالعلم والثقافة والصناعة الأوروبية إلا أنها لم تؤثر كل من سيقرأ هذا الكتاب سيتساءل في الأخير لماذا لم تصبح إيران في طليعة الدول المقدمة، الأسباب ربما رغم أنها تبدو بسيطة إلا أن لها كبير الأثر والوقع الجسيم، مثل الإشاعات التي تتردى بالفكر، كأن السكة الحديدية ستقطع الصحن الحيدري في جنوب طهران، وأشياء من هذا القبيل، بمعنى أن الظروف تهيأت في المجمل لكسر النهضة الحضارية".
ويقول: "استحضر قولاً لفيرمان برويل متحدثاً عن الثورة الصناعية في أوروبا، الذي قال ما مفاده، بأن في البدء كان قطار الحضارة يسير ببطء، يكفي أن تلصق مقصورتك بالقطار لتنطلق، أما الآن فقطار الحضارة قد مر، وأصبح لزاماً أن تبتكر قاطرتك الخاصة لتتقدم".
وتقول مريم حيدري: " النص في رحلة ناصر الدين شاخ يستحق التعامل معه على أكثر من مستوى لتفرده، إنما قيمة الرحلة ذاتها واللغة الفارقة أبرز ما يكون، ولابد من الذكر أنه في العهد القاجاري وما قبل ولا سيما البلاط، كان الأسلوب السائد ذاته في المقامات العربية، وكانوا يكتبون بلغة فاخرة جداً، بكلمات تحتاج للقاموس أحياناً، ولكن بعد رحلة ناصر الدين شاه والنثر الذي اعتمد، شاع ذلك وأعجب به الكتاب في البلاط والبلاد أيضاً".
من وإلى المغربويقول الأكاديمي والشاعر والمؤلف الطائع الحداوي أحد دارسي أدب الرحلة، أنه في حال أخذنا أدب الرحلة فيما يتعلق بالمغرب نموذجاً، نجد أحد أبرز الرحلات العكسية وبالمقابل أيضاً، مثل "الرحلة الجرمانية إلى المغرب"، من 1830 إلى 1911، وهي حث إيطالي ممتلئ، وهي بالمعنى الواسع لكلمة "جرمانية"، في البعد الجيوسياسي فيها النمسا وسويسرا، واستخدم نظرية الترقي والسروجيات على غرار اللسانيات والسيميائيات واستخدم المقاربة الإثنوغرافية وهذا غير موجود على المستوى المنهجي في دراسة الرحلة لدينا، وبالعود للمغرب يضيف: "الفترة التاريخية سابقة الذكر زمن مهم جداً في المغرب، عبد الله العروي الكاتب المعروف له كتاب جميل جداً، ودقيق للغاية، عنوانه "الجذور الاجتماعية والثقافية للمغرب" من 1830 إلى 1912، وحدد المساحة الزمنية جميع مستوياتها الثقافية والاجتماعية".
ويقول الحداوي: "الرحلة قابلة للترجمة استقبالاً، إذا كان منطلقاً للرحلات في المغرب، فهو موضوع الرحلة، ولدينا مجموعة واسعة من الرحلات الألمانية والفرنسية والإيطالية والإنغليزية للمغرب، وقس على ذلك، وهي مكتبة ضخمة جداً وينبغي الانتباه لها".
ويشير الحدواي إلى ضرورة الانتباه إلى أنه في المغرب هناك نقطتين في الرحلة الغربية للمغرب، حيث ما يسمى بالطريق الدبلوماسي في الرحلة السَفارية، من طنجة مروراً الغرب إلى مكناس إلى فاس، أو الطريق الدبلوماسي الفرعي الثاني، وهذه الطريق نأخذ المحيط وتنطلق إلى مراكس ثم الطريق الأخرى، وهي ما ذهب على هديدها شارل دوفوكو، وقد تنكر بزي يهودي لأن الجالية اليهودية كانت موجودة بكثرة في المغرب، ثم نجح في رحلته وأخذ مساراً غير ذاك المعروف حيها، ورجع أدراجه إلى لا لا مغنية في الجزائر.
ويقول الحداوي: "المثال الثاني، هو رحلة جميلة للإيطالي إدموندو دي أميتشيس، بعنوان "ماروكو"، وهو نص مليء بالصور لمحترفي الفنانين، واتبع الطريق الدبلوماسي 1873، وخرجت الرحلة 1875 وتبين لنا أن المغرب كان منطلقاً للرحلة، ومكن ومآل لها في الحين ذاته من الأوروبيين".