الممثل جوني ديب في فيلم "نافذة سرية" 2004 (أرشيف)
الأربعاء 6 فبراير 2019 / 18:25
المهم في أي قصة هو النهاية، ونهاية هذه القصة مثالية. كلمات مورت تدَّعي الحكمة، لكنها حكمة فارغة من المعنى
معظم مخرجي الأفلام المأخوذة عن قصص الكاتب الشهير ستيفن كينغ، يشعرون بالضآلة والدونية أمام كتابة ستيفن، ولا يعتبرون أدبه من الدرجة الثانية، ويأخذون جرائم أبطاله بأبعادها النفسية كما رسمها في كتابته، وكيف لا، وستيفن كينغ نفسه، تأتي في أحاديثه أحياناً، إشارات لسيد الغموض والرعب، الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو (1849- 1809)، وكأنّ ستيفن كينغ على درب سلفه العظيم إدغار آلان بو.
المشكلة عند ستيفن كينغ دائماً، هي أن الدافع وراء الجريمة، وهو دافع نفسي، ليس بالتعقيد الكافي، ولا الغموض الكافي، لتخفيف حدة الجريمة ووحشيتها، ولعبة الكتابة الفنية قائمة على تضخيم الدافع وراء الجريمة، بحيث تبدو الجريمة في النهاية كقمة جبل الثلج الطافي فوق سطح الماء بينما الجبل كله تحت سطح الماء.
مخرج واحد فقط، ويا له من مخرج، وهو ستانلي كوبريك، الذي حلل أحد أعمال ستيفن كينغ إلى تحفة سينمائية. الحديث هنا عن فيلم "شاينينغ" أو "البريق" 1980، المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه لستيفن كينغ. وقت ظهور فيلم "شاينينغ"، تحدث ستيفن عن ضيقه بالفيلم، ومعالجة كوبريك للسيناريو التي جاءتْ بعيدة عن الأصل الروائي. يبدو أن ما لم يحبه ستيفن في معالجة كوبريك، هو خلق الدافع الفلسفي العميق وراء أحداث الفيلم. استُقْبِل فيلم "شاينينغ" نقدياً بنفس فتور ستيفن كينغ.
لا تبتعد رؤية هوليوود السطحية عن رؤية ستيفن كينغ، ولهذا لم يكتسب فيلم "شاينينغ" مكانته في تاريخ السينما الأمريكية، بل في تاريخ السينما العالمية، إلا مع مرور الوقت، وربما كانت تلك المكانة التي تُنْحَت ببطء في صخر الرداءة الهوليوودية، عبر أكثر من ثلاثين عاماً، جُرحاً غائراً لكبرياء ستيفن كينغ وهوليوود على حد سواء.
ولنسيان طعنة ستانلي كوبريك الجمالية، أو لسرقة القيمة الفنية التي وصل إليها فيلم "شاينينغ"، ها هي هوليوود تعود، بعد 24 عاماً، بفيلم "نافذة سرية" 2004، للمخرج ديفيد كوب عن قصة للمؤلف ستيفن كينغ. هنا أيضاً في فيلم "نافذة سرية" كما كان الأمر في فيلم "شاينينغ"، نحن مع كاتب على شفا ارتكاب جريمة قتل. الممثل جوني ديب أو الكاتب مورت رايني في فيلم "نافذة سرية"، بنصف قدرات الممثل جاك نيكلسون أو الكاتب جاك تورانس في فيلم "شاينينغ".
يكتشف مورت رايني خيانة زوجته إيمي في بداية الفيلم، إلا أن أحداث الفيلم تقول إن الزوجين على اتفاق، وفي طريق طلاق متحضر، بينما الطرف الثالث أو العشيق تيد، يحث مورت على إنهاء إجراءات الطلاق، ومورت يماطل.
النافذة السرية ليستْ نافذة لروح الكاتب مورت رايني، وهذا ليس بالغريب على ستيفن كينغ العاجز دائماً عن شحن المعاني الأدبية، بل هي اسم قصة قديمة للكاتب، وفي القصة نافذة تطل على حديقة خلفية، قرر بطل القصة قتل زوجته ودفنها في الحديقة. العقبة الدرامية هي كيف يسمح ستيفن كينغ لبطله مورت بقتل زوجته وعشيقها دون إدانة أخلاقية؟
الحيلة المعروفة هي المرض العقلي، أو فصام الشخصية، وهي حيلة كلاسيكية استخدمها دوستويفسكي في رواية "القرين"، إلا أنها حيلة تتوقف براعتها على بث تيار مصاحب قوي من الغرابة والخوف الغموض والإثارة. وبراعة ستيفن كينغ تُوفِّر له فقط الإثارة قصيرة النَفَس، ويبقى عاجزاً عن بث مشاعر الغرابة والخوف والغموض للقارئ أو للمُشاهِد.
هناك معضلة إذن في فيلم "نافذة سرية"، وهي أن الإثارة فقط غير مقنعة لمرور المرض العقلي في الدراما. يتهم جون شوتر الكاتب مورت رايني بسرقة قصته "موسم البذور". يترك جون قصته المنسوخة على الآلة الكاتبة أمام باب مورت. نسخة القصة متسخة وملتفة، وفي وسطها حجر. يأخذ مورت القصة، وهو يردد لنفسه بأنه لا يعرف المؤلف جون شوتر، ثم يرمي بالقصة في سلة القمامة. يغسل مورت يديه، ويذهب إلى الكنبة، ويقول: الآن ماذا كنت أفعل. ينام مورت على الكنبة.
من أجمل اللمسات البصرية في فيلم "نافذة سرية"، ارتباط مورت بالكنبة المريحة في صدر بيته، وكأنّه لن يواجه العالَم إلا وهو نائم أو جالس أو مُمَدَّد على الكنبة. السيدة جارفي التي تنظف البيت لمورت، تلتقط قصة "موسم البذور" من سلة القمامة، مُعتقدة أنها إحدى قصص مورت، وتضعها على منضدته. يقرأ مورت السطور الأولى التي يتحدث أيضاً بطلها عن قتل زوجته.
ينفي مورت رايني للسيدة جارفي أن قصة "موسم البذور"، قصته، فالاسم المكتوب عليها جون شوتر، وهو ليس جون شوتر. منذ الآن يشك المُشاهِد بحدس قوي في عدم وجود جون شوتر.
اعتقدتْ السيدة جارفي أن جون شوتر أحد الأسماء المُسْتَعَارَة للكاتب مورت رايني. يؤكد مورت للسيدة جارفي بأنه لم يستخدم يوماً اسماً مُسْتَعَارَاً لإحدى قصصه. ترد السيدة جارفي بخبث لطيف: لا أستطيع تخيل لماذا قد تفعل، أعني أن تختبئ وراء اسماً مُسْتَعَارَاً.
يضع مورت قصته في كتابه المطبوع، بجوار قصة جون شوتر، ويقارن، فتأتي المُقَارَنَة في صالح ادعاء جون شوتر. ينفي مورت رايني، لشيكو كلب إيمي، المُضببة إحدى عينيه بعتامة ماء أزرق، سرقة القصة.
في اتصال هاتفي، تسأل إيمي عن مورت، فهو يعيش وحيداً، وكأنها لا تغفر لنفسها هجره، لكن مورت يصدها سريعاً، فتسأل إيمي عن إزالة الماء عن عين شيكو. يتجاهل مورت سؤالها، ويسأل بدوره عن قصته "نافذة سرية"، وعن جريمة القتل في القصة.
يجد مورت مفكاً مغروساً في رأس شيكو. يتهم مورت الكاتب جون شوتر. حدس المُشاهِد ينتقل إلى اليقين. مورت رايني هو الذي قتل الكلب شيكو. المُشاهِد يسبق المؤلف ستيفن كينغ والمخرج ديفيد كوب، بأميال. بؤس دراما الفيلم، أنها بعد قتل شيكو، ما زالتْ تنازع للاحتفاظ بالإثارة. تنتهي سلسة جرائم القتل، بظهور مورت رايني، وهو يقتل زوجته إيمي وعشيقها تيد في حديقة البيت، كما تصوَّر الجريمة في قصته "نافذة سرية".
يقول مورت رايني لمحقق الشرطة الذي يعرف جريمة مورت، لكنه لا يملك الأدلة لسجنه: المهم في أي قصة هو النهاية، ونهاية هذه القصة مثالية. كلمات مورت تدَّعي الحكمة، لكنها حكمة فارغة من المعنى، فالقتل المثالي من غير دوافع معقدة، يُنسب إلى أرشيف الجرائم الجنائية، أي لا يُنسب للفن الروائي أو السينمائي، فعلى سبيل المثال جريمة راسكولينكوف في رواية "الجريمة والعقاب"، لولا بناء دوستويفسكي لدوافعها النفسية الغريبة، لكانت مثل جريمة مورت رايني.