لبنانيون في موقع التفجير الذي أودى برئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (أرشيف)
لبنانيون في موقع التفجير الذي أودى برئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (أرشيف)
الثلاثاء 18 أغسطس 2020 / 09:53

اغتيال الحريري: اليوم الذي هز لبنان

بعد مرور 15 عاماً على اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في وسط بيروت، لا يزال اللبنانيون يتذكرون تفاصيل اليوم الذي غير مسار البلد الصغير.

حصل التفجير الذي أودى برئيس الحكومة الاسبق الذي لم يكن في السلطة في حينه، و21 شخصاً آخرين، في يوم عيد الحب، في 14 فبراير (شباط) 2005.

كان موكب الحريري عائداً من مقر مجلس النواب في ساحة النجمة في وسط بيروت، عندما دوى انفجار ضخم استهدفه لدى وصوله قبالة فندق سان جورج على الطريق الساحلي.

بعد دقائق، كانت شاشات التلفزة تنقل مباشرة صور سيارات مشتعلة، بينما تسبب تطاير الركام في تحطيم زجاج نوافذ في دائرة قطرها نحو نصف كيلومتر.

عمت الفوضى والذعر لوقت قصير، قبل أن تعلن وسائل الإعلام أن المستهدف هو الحريري.

وحسب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تولت التحقيق في الجريمة، فجر انتحاري يقود شاحنة فان بيضاء من طراز ميتسوبيشي ما يعادل طنين من مواد شديدة الانفجار في الـ 12.55 ظهراً، بعد جزء من الثانية من مرور السيارة الثالثة في الموكب، وهي من طراز مرسيدس "إس600" كان الحريري يقودها بنفسه.

سمعت بيروت بأكملها أو شعرت بالانفجار الضخم.

ظن كثيرون أن زلزالاً ضرب المدينة فيما أحدث الانفجار حفرة بعرض عشرة أمتار وعمق مترين في المكان الذي أقيم فيه في ما بعد نصب تذكاري للحريري.

كانت الصدمة كبيرة، بعد اغتيال رفيق الحريري، رجل ارتبط اسمه بشكل وثيق بلبنان وبمرحلة إعادة الاعمار ما بعد الحرب الأهلية من 1975 إلى 1990، وبشبكة علاقات دولية نسجها ووظفها لصالح بلده.

كان الانفجار قوياً الى درجة، أنه عُثر على إحدى الجثث بعد 17 يوماً بسبب الدمار الكبير الذي خلفه التفجير متسبباً أيضا في إصابة 226 شخصاً بجروح.

جاء اغتيال الحريري في فترة بالغة الحساسية في لبنان، وفي خضم توتر لم يكن ظاهراً كثيراً للعلن، بين الحريري ودمشق التي كانت تتحكم في مفاصل الحياة السياسية في لبنان، وتنشر جيشها فيه منذ حوالى 30عاماً.

كان الحريري يومها يستعد لخوض انتخابات نيابية، ويقترب من الانخراط في جبهة معارضة لدمشق.

وفي مطلع فبراير(شباط) تلقى الحريري مناشدة من صديقه الرئيس الفرنسي حينها جاك شيراك، بالتزام الحذر، وبعدها بأيام من مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن في الإطار نفسه.

سبق اغتيال الحريري محاولة اغتيال صديقه الوزير السابق مروان حمادة في أكتوبر(تشرين الأول) 2004، في ما اعتبر رسالة تحذير شديدة اللهجة الى فريق الحريري.

بعد 15 عاماً من انتهاء الحرب الأهلية، شكل اغتيال الحريري ضربة كبرى للبلد الصغير الذي تنخره الانقسامات الطائفية والسياسية، وغالباً ما ترتبط قواه السياسية بدول خارجية.

بعد ساعات من التفجير، تفقد سعد الحريري، نجل رفيق الحريري الذي كان بعيداً في ذلك الوقت عن العمل السياسي، مكان التفجير، وسألته وسيلة إعلام أجنبية إن كان يعرف من يقف وراء اغتيال والده، فأجاب: "الأمر واضح، لا؟".

ووجهت أصابع الاتهام، على ألسنة سياسيين وأحزاب، الى دمشق.

ونزلت أعداد ضخمة من اللبنانيين إلى الشارع تحتج على الاغتيال وتتهم سوريا. حصلت نقمة أسقطت على الفور الحكومة القريبة من دمشق برئاسة عمر كرامي.

وهتف المتظاهرون في وسط بيروت "سوريا اطلعي برّا".

في 14 مارس (آذار) 2005، نزل مئات الآلاف الى الشارع. كان يوما تاريخياً لعب دوراً حاسماً في خروج القوات السورية من لبنان في أبريل (نيسان).

وفي غضون ذلك، كان حزب الله، حليف دمشق، دعا الى "يوم وفاء" لسوريا في 8 مارس (آذار) شارك فيها أيضا مئات الآلاف.

وانقسم لبنان بعد ذلك لسنوات طويلة بين "قوى 14 آذار" المناهضة لسوريا و"قوى 8 آذار" المؤيدة لها، وفُتحت صفحة جديدة في تاريخ لبنان أخرجت دمشق من المشهد السياسي المباشر في البلاد.

وتوجه التحقيق الدولي أولاً نحو سوريا، لكن ما لبث أن توقف عن ذكر دمشق، ووجه الاتهام الى عناصر في حزب الله، بالتخطيط وتنفيذ الاغتيال.

وتمكن حزب الله، القوة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بترسانة سلاح في لبنان الى جانب القوى الأمنية الشرعية، من ملء الفراغ الذي خلفه غياب دمشق سياسياً وتحوّل رويداً رويداً إلى قوة أساسية تتحكم في مسار الحياة السياسية في البلاد.

ونفى حزب الله الاتهامات الموجهة إليه ورفض تسليم المتهمين.

ومنذ تأسيس المحكمة التي اتهمت خمسة عناصر من حزب الله، أعلن الحزب أنّه لا يعترف بها ويعدّها "مسيسة" وتخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ورفض تسليم المتهمين محذراً على لسان أمينه العام حسن نصرالله من "اللعب بالنار".

تقتصر المعلومات عن المتهمين الأربعة الآخرين على ما قدمته المحكمة الدولية. ولا يُعرف شيء عن مكان وجودهم حالياً، وهم إلى جانب بدرالدين، سليم جميل عياش، وحسين حسن عنيسي، وحسن حبيب مرعي، و أسد حسن صبرا.

ويُعد بدر الدين المتهم الرئيسي و"العقل المدبر" لجريمة اغتيال الحريري. وجاء في مذكرة توقيفه أنه "خطط للجريمة وأشرف على تنفيذها". وفي مايو (أيار)2016 أعلن حزب الله مقتله قرب مطار دمشق عن 55 عاماً، في هجوم اتهم جماعات "تكفيرية" بتنفيذه.

في يوليو(تموز) من العام نفسه، أعلنت المحكمة الدولية التوقف عن ملاحقته بعدما تأكد مقتله.

وتتهم المحكمة سليم جميل عياش 56 عاماً الذي قالت إنه "مسؤول عسكري في حزب الله، بقيادة العملية". وجاء في مذكرة توقيفه أنه "المسؤول عن الخلية التي نفذت عملية الاغتيال وشارك شخصياً في التنفيذ". وتشمل التهم الموجهة إليه، وفق موقع المحكمة الدولية، وضع "مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي" و"ارتكاب عمل إرهابي باستعمال أداة متفجّرة" وقتل الحريري و21 شخصاً آخرين "عمداً باستعمال مواد متفجّرة" ومحاولة قتل 226 شخصاً.

وفي سبتمبر(أيلول) 2019، وجهت المحكمة الدولية تهمتي "الإرهاب والقتل" لعياش لمشاركته في ثلاث هجمات أخرى استهدفت سياسيين بين 2004 و2005.

استهدف الهجوم الأول في 2004 الوزير السابق مروان حمادة ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة.

وأودى هجوم في 2005 بحياة الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، واستهدف الهجوم الأخير وزير الدفاع آنذاك الياس المر، ما أدى إلى إصابته.

ويحاكم عنيسي 46 عاماً وصبرا 43 عاماً بتهمة تسجيل شريط فيديو مزيف بثته قناة "الجزيرة" القطرية يدعي المسؤولية نيابة عن جماعة وهمية أطلقت على نفسها "جماعة النصر والجهاد في بلاد الشام".

وتتضمن لائحة الاتهامات الموجهة لهما على صفحة المحكمة الدولية "التدخل في جريمة ارتكاب عمل إرهابي باستعمال أداة متفجّرة" و"التدخل في جريمة قتل رفيق الحريري عمداً باستعمال مواد متفجّرة".

قررت المحكمة الدولية ملاحقة مرعي 54 عاماً في 2013، وضمت قضيته في فبراير (شباط) 2014 إلى قضية المتهمين الآخرين ووُجهت لمرعي أيضاً اتهامات بـ"التدخل في جريمة ارتكاب عمل إرهابي" وقتل الحريري والقتلى الآخرين عمداً.

شمعة
في موقع الاغتيال، أقيم نصب تذكاري للحريري على شكل شعلة معدنية، بينما لا تزال آثار التفجير تظهر على واجهات بعض الأبنية.

على بعد أمتار، يتوسط تمثال لرفيق الحريري ساحة صغيرة تحمل اسمه.