الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أرشيف)
الثلاثاء 18 فبراير 2025 / 12:58
أجمعت تحليلات وآراء كبار السياسيين والمفكرين الفرنسيين، على خطورة التقارب بين واشنطن وموسكو على القارة الأوروبية، مطلقين تحذيرات من سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، لإنهاء الحرب في أوكرانيا على حساب الأوروبيين، الذين سيكلّفهم ضمان أمنها وإعادة إعمارها الكثير.
الخاسر الأكبر
وبحسب بيير ليلوش، النائب الفرنسي ووزير الدولة السابق، فإن الأوروبيين، إلى جانب الأوكرانيين بالطبع، هم الغائبون والخاسرون الأكبر من المحادثات الأمريكية الروسية حول أوكرانيا، والتي تعتبر نقطة تحوّل تاريخية تشير إلى محو أوروبا من الشؤون العالمية الكبرى، بعد أن فقدت الوصول إلى الغاز الروسي الرخيص، وخسرت عشرات المليارات من الدولارات كاستثمارات في روسيا.
ويرى ليلوش أن موسكو بذلك تحقق هدفيها الرئيسيين من الحرب، فأوكرانيا لن تنضم أبداً إلى حلف شمال الأطلسي، بينما ستحتفظ روسيا بالأراضي التي احتلتها عسكرياً في شبه جزيرة القرم ودونباس. ومن المقرر أيضاً أن تستأنف العلاقات الاقتصادية بين الأمريكييين والروس مع رفع العقوبات، بينما تتم دعوة الدول الأوروبية فقط إلى تحمل مسؤولية إعادة إعمار أوكرانيا، بما يصل إلى 700 مليار يورو لا يملكونها.
وقال السياسي الفرنسي المعروف، إن الأوروبيين دخلوا هذه الحرب تحت تأثير العاطفة والسخط، ولم يتبعوا، ودون أن يحددوا أدنى استراتيجية، إلا إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن التي كانت مترددة ومحتضرة، وكانت هي نفسها غير قادرة على تحديد أهداف حربها الخاصة.
ساعة أوروبا
من جهتها، اعتبرت صحيفة "اللوموند" الفرنسية، وتحت عنوان "مفاوضات أوكرانيا: ساعة أوروبا"، في افتتاحيتها أن الأمر الأكثر خطورة هو الطريقة التي يتعامل بها ترامب مع عملية السلام هذه من خلال الحوار مع المعتدي، وفي غياب ليس فقط البلد المعتدى عليه، بل أيضاً أولئك الذين يدعمونه. ومن الواضح أن هؤلاء الحلفاء الأوروبيين سوف يضطرون فقط إلى تحمّل مسؤولية إعادة إعمار أوكرانيا وتنفيذ الاتفاق الذي ليسوا طرفاً فيه.
واستنكرت اليومية الفرنسية، ما سمته الغطرسة والازدراء من قبل الرئيس الأمريكي تجاه الأوروبيين في الأيام الأخيرة، وكذلك من نائبه جيه دي فانس، ووزير دفاعه بيت هيغسيث، وهو ما شكّل، برأيها، إذلالاً حقيقياً لأوروبا.
ودعت "اللوموند" إلى مواجهة هذا التحدي، وشددت على أنه حان الوقت لتكثيف الجهد الأوروبي المشترك حتى يتم الضغط على الولايات المتحدة من أجل الارتباط بهذه العملية. واختتمت بالقول: "لقد حان وقت أوروبا. وإن أوكرانيا هي، قبل كل شيء، شأن أوروبي. وإن السلام غير المتوازن لن يؤدّي إلا إلى إطالة أمد الحرب، ودفع روسيا إلى فتح جبهات أخرى".
إيقاظ أوروبا
وقال الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي إيمانويل بيريتا، رئيس تحرير القسم الأوروبي في مجلة "لو بوان": "نحن لم نعد نمزح.. فقد تغيّرت الأجواء بين الزعماء الأوروبيين ودونالد ترامب"، مشيراً إلى أن استبعاد الأوروبيين والرئيس زيلينسكي من محادثات السلام المحتملة في أوكرانيا، قد أيقظ بيت أوروبا القديم. خاصة أن الرئيس الأمريكي كشف عن أوراقه أكثر مما ينبغي عندما وافق على الفور على استبعاد أوكرانيا نهائياً من حلف شمال الأطلسي، واعتبر الاستحواذات الإقليمية التي نفذها بوتين في شبه جزيرة القرم ودونباس أمراً مفروغاً منه. ولكن بالمقابل لم يعترف زيلينسكي ولا الأوروبيون بالتفاوض بين ترامب وبوتين، لذا يجري تنظيم الرد الأوروبي بقيادة فرنسا.
شهادة وفاة حلف الأطلسي
بدروها، اعتبرت يومية "ليبراسيون" الفرنسية، أن الإعلان عن مفاوضات السلام الثنائية بين ترامب وبوتين بشأن أوكرانيا، يؤكد أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد ذات أهمية على الإطلاق.
ونقلت عن الدبلوماسي الفرنسي رفيع المستوى، سيلفان كان، أستاذ التاريخ في مركز العلوم السياسية ومؤلف كتاب "أوروبا تواجه أوكرانيا"، قوله إن "الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن الأوروبيين يبدون مندهشين مرة أخرى.. فبوحشيته المعتادة، فاجأ إعلان دونالد ترامب تخليه عن أوكرانيا وعن القارة العجوز، إذ كانت أوروبا لا تزال تحت الوهم بأن الرئيس الجمهوري سوف يغيّر رأيه".
وفي واقع الأمر، وفق سيلفان كان، فإن المعنى الحقيقي لما يحدث، والذي أعلنه ترامب، هو شهادة وفاة الحلف الأطلسي الذي ضَمِن السلام في القارة العجوز منذ عام 1945، مؤكداً أنه كان "يجب على الأوروبيين الخروج من حالة الإنكار التي يعيشونها: فالولايات المتحدة لم تعد حليفتهم وضمان أمنهم لم يعد له أي قيمة". وبعبارة أخرى، سوف يتعين على الأوروبيين تكثيف جهودهم لبناء نظام دفاع أوروبي يرتكز على قاعدة صناعية متينة لتحرير أنفسهم من السيطرة الأمريكية.
قانون الأقوى
وأمام الحفل الموسيقي غير المتناغم إلى حدّ ما للإدارة الأمريكية الجديدة، ترى مجلة "ماريان" الفرنسية أن مسألة نهاية الحرب في أوكرانيا، التي ستدخل عامها الرابع في 22 فبراير (شباط) الجاري، تظل دون حل، في وقت تُحقق فيه روسيا تقدماً على الأرض وتصبح أوروبا غير موحدة في مواجهة رئيس روسي أكثر تصميماً من أيّوقت مضى، يعزز عناده التقدّم الذي أحرزه على الأراضي الأوكرانية.
وذكرت "ماريان" أن اتفاق الرئيسين الأمريكي والروسي على إطلاق مفاوضات "فورية" بشأن الحرب في أوكرانيا، مع استبعاد كييف والاتحاد الأوروبي من هذه المحادثات في الوقت الراهن، يعني أن "وجود فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، يؤكد أن قانون الأقوى يسود اليوم على العلاقات الدولية".