صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
الجمعة 31 يوليو 2026 / 08:50

كيف تنقذ ألمانيا صناعة السيارات في ظل تراجع الأرباح وخفض العمالة؟

لم تعد تخفيضات الوظائف في صناعة السيارات الألمانية خبراً يخص شركة متعثرة، بعدما امتدت إلى أسماء ظلت لسنوات رمزاً لقوة الاقتصاد. إذ تتجه "بي إم دبليو" إلى خفض نحو 8 آلاف وظيفة، فيما تخطط "بورشه" للاستغناء عن قرابة 9 آلاف، وتبحث "فولكس فاجن" سيناريو قد يرفع عدد المسرحين إلى 100 ألف.

بي إم دبليو" و"بورشه" تخفضان الوظائف.. و100 ألف وظيفة تحت الدراسة في "فولكس فاجن"

عثمان عثمانية لـ"24": الأزمة هيكلية.. والتحول الكهربائي لن يعوض الوظائف المفقودة

بعد انخفاض أرباح "بي إم دبليو" قبل الضرائب 35% في الربع الثاني، وهبوط مبيعاتها في الصين 30%، بدأت الشركة تنفيذ برنامج طوعي لخفض الوظائف، يمتد حتى نهاية 2027. 
وفي الوقت نفسه، اتفقت "بورشه" مع ممثلي العمال على إلغاء 5 آلاف وظيفة إضافية، ليرتفع إجمالي التخفيضات إلى نحو خُمس قوتها العاملة.
وفي "فولكس فاجن"، أبلغ الرئيس التنفيذي أوليفر بلومه الموظفين بأن المجموعة قد تحتاج إلى خفض 50 ألف وظيفة إضافية، إلى جانب عدد مماثل تم الاتفاق عليه، في وقت تظاهر فيه نحو 6 آلاف عامل في مصنع "أودي" بمدينة نيكارسولم خوفاً من إغلاقه بعد 2030.

صناعة تتقلص

بحسب مكتب الإحصاء الاتحادي، لا تزال السيارات ومكوناتها أكبر صادرات ألمانيا، بقيمة 254 مليار يورو في 2025، ما يعادل 16.3% من إجمالي صادرات البلاد.
لكن بيانات رابطة صناعة السيارات الألمانية تظهر انخفاض عدد العاملين في القطاع من نحو 773 ألفاً في 2024 إلى 732 ألفاً في 2025، مع تراجع أشد لدى شركات المكونات، التي فقدت 11.1% من عمالتها. وانخفضت إيرادات الصناعة 1.5% إلى 533.7 مليار يورو.

الأزمة هيكلية

يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة الجزائرية، الدكتور عثمان عثمانية، أن ما تمر به الصناعة "ليس مجرد أزمة دورية قابلة للاحتواء، بل تحول هيكلي عميق".
ويرجع عثمانية ذلك إلى ارتفاع كلفة الطاقة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وضخامة استثمارات التحول الرقمي والكهربائي، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأمريكية.
وفي حديثه لـ"24"، يشير عثمانية إلى أن صناعة السيارات تتحمل جانباً كبيراً من الإنفاق البحثي في ألمانيا، مثل إنفاق شركات السيارات 34% من إجمالي الإنفاق الداخلي على البحث والتطوير في الاقتصاد الألماني، بينما تعتزم الشركات استثمار نحو 320 مليار يورو عالمياً في البحث والتطوير بين 2025 و2029.
وتضغط الصين على المصنعين الألمان في سوق كانت مصدراً رئيسياً لأرباحهم، إذ تراجعت مبيعات "فولكس فاجن" و"مرسيدس بنز" و"بي إم دبليو" بأكثر من 30% لكل منها خلال الربع الثاني، وبلغ الانخفاض لدى "فولكس فاجن" 36.6%.
كما انخفضت صادرات السيارات والمكونات الألمانية إلى الولايات المتحدة 28.4% في الربع الأول من 2026، بعد زيادة الرسوم الأمريكية، وفق مكتب الإحصاء.

أستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة الجزائرية الدكتور عثمان عثمانية

كيف تحمي برلين محركها الصناعي؟

بدأت الحكومة الألمانية حماية "محركها الصناعي" من بوابة تنشيط الطلب المحلي، فأطلقت في مايو (أيار) برنامجاً يمنح الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط ما بين 1500 و6 آلاف يورو لشراء أو استئجار سيارة كهربائية، كما مددت الإعفاء الضريبي للسيارات الكهربائية، وأتاحت للشركات خصم 75% من كلفة السيارة في عام شرائها.
وتراهن برلين على أن زيادة المبيعات تمنح الشركات الألمانية سوقاً أوسع لتمويل التحول الكهربائي وتشغيل خطوط الإنتاج، لكن البرنامج لا يقتصر على السيارات المصنوعة محلياً، وهو ما يسمح للمنافسين الأجانب بالاستفادة منه أيضاً.
وتحاول برلين خفض كلفة الإنتاج عبر تقليص ضريبة الكهرباء ورسوم الشبكات، والعمل على سعر مدعوم للطاقة الصناعية، لكن شركات السيارات ترى أن ذلك لا يكفي.
وبحسب مسح لرابطة صناعة السيارات الألمانية، طالبت الشركات بتقليل البيروقراطية والضرائب وكلفة الكهرباء، بعدما أجلت مؤسسات عديدة استثمارات داخل البلاد أو نقلتها إلى الخارج. كما توسع الحكومة شبكة الشحن، وتدفع أوروبياً نحو قواعد أكثر مرونة للتحول الكهربائي.

وظائف أقل

ويستبعد عثمانية أن تعوض وظائف البطاريات والبرمجيات العمالة التي تختفي من صناعة المحركات التقليدية، موضحاً أن السيارات الكهربائية تتكون من أجزاء أقل، بينما تعتمد البرمجيات على فرق صغيرة عالية المهارة.
وبحسب دراسة لشركة "EY" استندت إلى بيانات رسمية، فقد قطاع السيارات نحو 51.5 ألف وظيفة خلال عام حتى نهاية حزيران (يونيو) 2025، أي 6.7% من العمالة.
ويقول عثمانية إن نقل أجزاء من الإنتاج إلى دول أقل كلفة سيعمق تراجع التوظيف داخل ألمانيا، ما يعني أن الصناعة قد تواصل إنتاج السيارات، ولكن بعدد أقل من المصانع والعمال.