علما الصين وأمريكا (أرشيف)
علما الصين وأمريكا (أرشيف)
الجمعة 11 أبريل 2025 / 19:13

حرب الصين وأمريكا التجارية قد تؤدي لكارثة.. ما استراتيجية ترامب؟

تتفاقم الحرب التجارية المتصاعدة بسرعة بين الولايات المتحدة والصين، أقوى قوتين جيوسياسيتين على كوكب الأرض، واللتين ترتبط اقتصاداتهما ارتباطاً وثيقاً، وتهدد بإلحاق أضرار جسيمة بكلتا الدولتين، كما أنها سترسل صداها إلى جميع أنحاء العالم.

منذ أن أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرارة هذه الأزمة المحتملة، بات من المشروع كما تشير شبكة "سي إن إن" التساؤل عمّا إذا كان لديه خطة استراتيجية واضحة، وكيف يتصور نهاية هذه المواجهة.

كالعادة، يقول التقرير إن ترامب يعتمد على أسلوب الارتجال، فتصعيده المفاجئ في فرض الرسوم الجمركية على الصين هذا الأسبوع لم يكن جزءاً من خطة محكمة، بل تصرف كعادته كرجل أعمال مضارب في العقارات، يرفع الرهانات إلى مستويات لا تُحتمل للحصول على نفوذ تفاوضي.

نظرية الرجل المجنون

ويضيف أنها "نسخة جديدة من "نظرية الرجل المجنون" التي يعتمد فيها ترامب على افتعال مواقف قصوى لإرهاب خصومه ودفعهم للتراجع".

وربما تنجح هذه المقاربة، خاصة وأن الصين، التي لم تعد تشهد معدلات نمو اقتصادي مذهلة كما في السابق، لا ترغب في تدمير اقتصادها.

كثير من الخبراء في الشأن الصيني يعتقدون أن بكين، مثلها مثل ترامب، لا ترغب في الوصول إلى حافة الهاوية. فالخسائر المحتملة لحرب تجارية شاملة قد تدفع الطرفين إلى التراجع خطوة إلى الوراء، بحسب التقرير.

لكن بعد أن أعلن ترامب الخميس عن رفع الرسوم الجمركية على السلع الصينية لتصل إلى 145%، رد الرئيس الصيني شي جين بينغ بفرض رسوم جديدة على الواردات الأمريكية بنسبة 125%، مؤكداً أن بلاده "ليست خائفة".

وفي الوقت ذاته، ظهرت مؤشرات جديدة على أن فريق ترامب لا يدرك تماماً العوامل التي تقف وراء قرارات بكين.

فقد أفادت الشبكة أن الإدارة الأمريكية حذّرت الصين بشكل سري من الرد على الرسوم، وأن على شي طلب مكالمة مع ترامب، وهو اقتراح اعتبره المسؤولون في بكين مهيناً وغير مقبول، لأنه يصور الرئيس الصيني بمظهر المستجدي أمام من بدأ التصعيد.

مخاطر ضخمة

وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة جانيت يلين قالت لـ"سي إن إن": "نحن الآن في حرب تجارية ضخمة مع الصين، والرسوم المفروضة عليها يمكن وصفها بأنها عقابية"، مضيفة: "سيكون لها تأثير هائل على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. لا أحد يعلم إلى أين تتجه هذه السياسات".

وتعتمد تكتيكات ترامب على أن التهديد بعواقب اقتصادية مدمرة سيدفع الصين إلى طاولة المفاوضات تماماً كما حدث خلال ولايته الأولى حين تم التوصل إلى اتفاق تجاري لم يُنفذ بالكامل قبل أن تتسبب جائحة كوفيد-19 في تجميد العلاقات مع بكين.

لكن وفقاً للتقرير، فإن الضغط على الصين قد يرتد سلباً، نظراً لحجمها الاقتصادي الهائل وحساسيتها تجاه أي إساءة من القوى الغربية التي تراها تسعى لعرقلة صعودها. كما أن الشعب الصيني، الذي تشبع بسياسات دعائية قومية لسنوات، لن يتقبل بسهولة التهديدات الخارجية.

مع ذلك، أصر ترامب يوم الخميس على أن العلاقة الشخصية التي تربطه بشي ستكون حاسمة، قائلاً في اجتماع لمجلس الوزراء: "هو، في الحقيقة، صديق لي منذ وقت طويل".

وغالباً ما يسترجع ترامب زيارته الشهيرة لمنتجعه في مارالاغو، حيث استقبل شي خلال ولايته الأولى، وتناولا معاً "أجمل قطعة كعكة شوكولاتة يمكن أن تراها"، بينما أخبره فجأة عن غارات عسكرية أمريكية على سوريا.

لكن دبلوماسية "الكعكة" هذه لن تجد لها مكاناً في الولاية الثانية، كما ترى شبكة "سي إن إن".

التفاوض على طريقة الصين

الودّ الشخصي ليس من طبع شي جين بينغ، فالصين تفضل المفاوضات الرسمية المرهقة التي تُدار من خلال المسؤولين على مستويات أدنى. الاجتماعات بين القادة تُخطط بعناية ولا مجال فيها للعفوية أو المفاجآت، وهو عكس ما يفضله ترامب الذي يحب المشهد الدرامي.

وتوضح ذلك زونغيوان زوي ليو، الباحثة في شؤون الصين بمجلس العلاقات الخارجية، قائلة: "الرئيس شي ليس مفاوضاً. ليس دوره الانخراط في التفاوض التجاري؛ بل يترك الأمر للمسؤولين الفنيين. ولهذا أرى أن هناك تحديات لوجستية في المدى القصير، رغم أن النية لتخفيف التوتر قد تكون موجودة".

ولا يمكن تصور أن بكين ستسمح لرئيسها بالانخراط في جلسة غير محكومة بالبيت الأبيض، حيث يمكن أن يحدث أي شيء كما حدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي فوجئ بتصريحات ترامب بشأن شروط تخفيف الرسوم على إسرائيل.

ترامب ينسف الجسور

ومع تسارع تطورات الحرب التجارية خلال الأيام الأخيرة، بدأت إدارة ترامب التفكير في خطة جديدة: استخدام الاتفاقات التجارية مع الحلفاء لعزل الصين والضغط عليها.

لكن هذه الخطة تواجه تحديات ضخمة، لأن ترامب نفسه نفّر الحلفاء الذين سيحتاج إليهم، من كندا إلى دول الاتحاد الأوروبي.

على مدار سنوات، جنت الدولتان فوائد كبيرة من هذا الترابط. المستهلك الأمريكي استفاد من السلع الرخيصة مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية، مما رفع مستوى معيشة الطبقة الوسطى. بينما استخدمت الصين التجارة مع أمريكا لتوسيع صناعتها وانتشال عشرات الملايين من الفقر، واستثمرت الأرباح في التكنولوجيا والجيش.

لكن في المقابل، عانت الصناعات الأمريكية، من صناعة الصلب في "حزام الصدأ" إلى تصنيع الأثاث في نورث كارولينا. كما أن الأمل الأمريكي بأن يقود النمو الاقتصادي في الصين إلى انفتاح سياسي لم يتحقق. بل يرى صقور واشنطن الآن أن الولايات المتحدة ساهمت في خلق خصمها العالمي من خلال اعتمادها على السلع الصينية الرخيصة.

كان يُعتقد أن هذا الترابط يمنع نشوب صراع عسكري، لكن النقاش الآن يدور حول "فك الارتباط"، أي فصل الاقتصادين، رغم أنهما يقفان على طرفي أخطر صراع جيوسياسي في العالم، بحسب التقرير.

حالة ركود

وإذا توقفت التجارة بين البلدين، ستكون العواقب مؤلمة. فقد ترتفع أسعار السلع الأساسية في أمريكا، مما سيؤدي إلى زيادة التضخم، وتراجع الثقة لدى المستهلكين، وربما دخول الاقتصاد في حالة ركود.

وفي الصين، ستتضرر الشركات الصغيرة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد، مما قد يؤدي إلى ارتفاع البطالة – وهو أمر حساس للغاية بالنسبة لنظام يخشى أي بوادر اضطراب شعبي، رغم طابعه السلطوي.

وهكذا، قد تتحول الحرب التجارية إلى اختبار قاسٍ لمعرفة أي شعب يمكنه تحمّل الألم الاقتصادي لفترة أطول.

هل فات الأوان؟

وترى الشبكة أن حجم الصراع المحتمل دفع المسؤولين الأمريكيين إلى البحث عن خطة أكثر اتزاناً.

إحدى الاستراتيجيات المطروحة تعتمد على استغلال قوة أمريكا وتحالفاتها العالمية، لممارسة ضغط على الصين في قضايا مثل الوصول إلى الأسواق، وسرقة الملكية الفكرية، والتجسس الصناعي.

لكن هناك عقبة واحدة: هذه المقاربة تتناقض مع مبدأ "أمريكا أولاً" الذي يرفعه ترامب.

في مقابلة مع قناة "فوكس بيزنس"، أشار وزير الخزانة سكوت بيسينت إلى أن حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وفيتنام سينضمون قريباً إلى محادثات تجارية مع واشنطن، قائلاً: "الجميع سيجلس على الطاولة، وبشكل أساسي أصبحت الصين محاصرة"، وأضاف أن النقاش يجب أن يتمحور حول هدف مشترك: "كيف يمكننا إعادة توازن الصين؟ هذا هو المكسب الكبير هنا".

من جانبه، قال رئيس المجلس الاقتصادي الوطني، كيفين هاسيت، إن اجتماع مجلس الوزراء سيناقش إمكانية عقد اتفاقات تجارية مع الحلفاء لتشكيل جبهة موحدة ضد الصين. لطالما اعتمدت قوة أمريكا على نظام تحالفاتها وهو تفوق لا تتمتع به الصين.

علاقات متوترة

كذلك فإن استفزازات ترامب في نصف الكرة الغربي قد تعيق أيضاً تشكيل جبهة مناهضة للصي، بحسب الشبكة.

لطالما اعتُبرت أمريكا الشمالية الموحدة حائط صد محتمل ضد الصين. لكن ترامب لوّح مراراً بضم كندا، وفرض أقسى رسومه على المكسيك.

لسنوات، ناشد سياسيون كنديون ترامب للتعاون ضد الصين، منهم رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد، الذي قال لـCNN: "نحن نؤمن دوماً بحصن أمريكي-كندي مشترك، نعمل معاً لنكون أقوى دولتين في العالم".

لكن ترامب، بعد أسابيع من هجماته على سيادة كندا، جعل من الصعب على قادتها التعاون مع واشنطن – خاصة خلال الحملة الانتخابية الجارية هناك. وقد صرح رئيس الوزراء الجديد، مارك كارني، بأن العلاقة التقليدية مع الولايات المتحدة "انتهت".

واللافت بحسب التقرير، أن فكرة تشكيل تحالف مناهض للصين ليست جديدة. بل إن ترامب نفسه كان أول من قتلها.

في اليوم الأول من ولايته عام 2017، انسحب من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، الذي ضم 12 دولة بينها كندا، والمكسيك، واليابان، وأستراليا. كما أنهى مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار مع أوروبا، والتي كانت ستمثل تحالفاً تجارياً بين أكبر سوقين في العالم.