الثلاثاء 27 مايو 2025 / 19:44
في مثل هذا اليوم 27 مايو (أيار) ولد في مدينة تونس في 1332 عقلٌ عربيّ نادر سبق عصره بقرون، وأنجبته الحضارة الإسلامية في لحظة فارقة، إنه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، العبقري الذي وضع الأسس الأولى لما سيُعرف لاحقًا بـ"علم الاجتماع"، وابتكر نظرية متكاملة كانت ولا تزال مصدر دهشة في الفكر الإنساني حتى اليوم.
ولد ابن خلدون في كنف أسرة عريقة في العلم والسياسة تنحدر من أصول أندلسية يمنية، نشأ في تونس، وتفتّحت مداركه في أحضان القرآن والفقه واللغة والمنطق، لكن روحه الطموحة لم تقنع بالمحبرة وحدها، فراح ينتقل بين بلاطات الملوك في فاس وغرناطة وبجاية، باحثًا عن الحكمة بين السياسة والتجربة.
وفي خلوته بقلعة بني سلامة بالجزائر، كتب ابن خلدون أعظم مؤلفاته: "المقدمة"، وهي الجزء التمهيدي لكتابه "العِبر"، وفي هذه الصفحات الخالدة، تماهى الفقيه مع المؤرخ، والسياسي مع الفيلسوف، والمراقب المتأمل مع المحلل الاجتماعي، لم يكن يروي التاريخ كما فعل السابقون، بل فككه، وقرأ ما وراء سطوره، ووضع نظريته الشهيرة في العصبية كعامل حاسم في نشوء الدول وزوالها.
وفي المقدمة، تظهر عبقرية ابن خلدون حين يتحدث عن الانتقال من البداوة إلى الحضارة، وعن العلاقة بين الاقتصاد والعمران، وعن أثر البيئة والتربية في بناء الإنسان والمجتمع، مفاهيمه كانت طليعية، حتى إن مفكرين غربيين كبارًا كـ"أرنولد توينبي" و"مونتسكيو" و "فيكو" أفردوا له صفحات من الإعجاب والدهشة.
لم يكن ابن خلدون زاهدًا في دنيا الناس؛ فقد تقلد مناصب رفيعة، أبرزها منصب قاضي القضاة المالكيين في القاهرة في عهد السلطان برقوق، لكنه ظل في قلبه يحنّ إلى دفء المكتبة وهدوء الفكرة، وعندما التقى تيمورلنك في دمشق عام 1400، دوّن حوارهما، وكان كما لو أن الحكمة تحاور السيف.
توفي ابن خلدون في القاهرة عام 1406، ودُفن في مقبرة الصوفية، لكنه لم يُدفن في الذاكرة، فكتبه ما زالت تُدرّس، وأفكاره تتجدّد في علوم الاجتماع والتاريخ والسياسة، وكأنها كُتبت بلغة هذا العصر، لقد كان ابن خلدون ابن زمانه، لكنه ابن المستقبل أيضاً، حمل على كتفيه هم الأمة، وسبر أغوار الحضارة، فاستحق أن يُلقب عن جدارة "أبو علم الاجتماع"، ورائد فلسفة التاريخ.
عندما يُذكر اسم ابن خلدون، يُفتح أمامنا باب واسع لفهم التاريخ لا بوصفه سرداً للأحداث، بل مرآة لتحولات العمران البشري. لقد كتب هذا العلّامة موسوعته الشهيرة "المقدمة" في القرن الرابع عشر، لكنها ما زالت تُقرأ اليوم كأنها وُضعت في زمننا، بل ربما تفوق في عمقها تحليلات المؤرخين المعاصرين.
هذا الامتداد الزمني لفكره لم يكن محض صدفة، بل نتيجة حتمية لعبقرية نادرة اعترف بها النقّاد والمفكرون من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه، بل ومن قلب الغرب الأوروبي إلى محافل البحث الحديثة.
فالناقد الكبير شوقي ضيف يرى في ابن خلدون "عبقرياً صاحب فلسفة شاملة للتاريخ"، موضحًا أن الرجل لم يكتفِ بترتيب الوقائع، بل تجاوز ذلك إلى تحليل نشوء الدول، وأسباب زوالها، وفق منطق متماسك يستند إلى العصبية والعمران.
أما عميد الأدب العربي طه حسين، فقد عدّ "المقدمة" وحدها كفيلة بوضع ابن خلدون في مصاف كبار الفلاسفة، قائلاً:
"لقد جمع في شخصه عقل الفقيه، وبصيرة المؤرخ، وخيال الأديب".
من جانب آخر ينظر المفكر الجزائري مالك بن نبي إل ابن خلدون بوصفه "مؤسس علم الحضارة" ويرى أن تأملاته حول النهوض والانحطاط يمكن أن تشكل أساسًا لنهضة فكرية جديدة في العالم الإسلامي.
وفي المقابل أمام الغرب، كان ابن خلدون ظاهرة فكرية صادمة، فالمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي لم يتردد في وصفه بأنه:
"أعظم مؤرخ لم تعرفه أوروبا إلا متأخرة"، مضيفًا أن "فلسفة ابن خلدون للتاريخ تقف على قدم المساواة مع أفلاطون وأرسطو".
بينما صرّح الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي أن قراءة "المقدمة" كانت بمثابة لقاء شخصي مع عبقرية خالدة، معتبرًا أن الرجل يستحق أن يُدرّس في كل جامعات العالم.
وقد سبق مونتسكيو غيره في ملاحظة البُعد السياسي في فكر ابن خلدون، مشيرًا إلى أن نظريته في "العصبية" تناظر بشكل ما المفاهيم الحديثة حول السلطة والبنية السياسية للدولة.
ورغم تركيز النقاد على مضامينه الفكرية العميقة، فإنهم لم يغفلوا عن تفرّده في الأسلوب. لقد كان ابن خلدون كاتبًا عقلانيًا، دقيق اللغة، متين العبارة، لا يبحث عن الزخرف اللفظي، بل يصنع من كل كلمة لبنة في بناء حجّته، أسلوبه العلمي لم يمنعه من أن يكون أدبيًا حين أراد، فتوازن عنده البرهان مع البيان، وهذا سرّ بقاء "المقدمة" حيّة في نفوس القرّاء والنقّاد على حد سواء.
وباختصار فإنّ ما أجمع عليه النقّاد هو أن ابن خلدون لم يكن عالمًا محليًا، بل مفكرًا إنسانيًا بامتياز، طرح أسئلته على التاريخ والمجتمع والدولة كما تُطرح اليوم في أروقة الجامعات العالمية، لم يكن يبحث عن ماضٍ تليد بقدر ما كان ينقّب عن قوانين الاجتماع البشري، في صيغة لا تزال صالحة لتفكيك الحاضر.
ربما لم يكن ابن خلدون يدرك حين كتب "المقدمة" أنه يفتتح عصرًا جديدًا من الفكر، لكنه بلا شك كان يعلم أنه يخاطب القارئ المفكر، لا المتلقي السلبي، ولهذا، ما زال فكره حيًا، يرفض أن يُغلق عليه باب التاريخ.