الأحد 3 أغسطس 2025 / 20:26

بين العزلة الدولية والكارثة الإنسانية.. هل يدفع نتانياهو إسرائيل إلى الهاوية؟

في مقال لاذع، رسم الكاتب البريطاني جوناثان فريلاند صورة قاتمة لمستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، مؤكداً أن عزلة إسرائيل الدولية لم تعد احتمالية بل أصبحت واقعاً ملموساً، خاصة في ظل تصاعد الغضب العالمي إزاء المأساة الإنسانية في غزة. وقال الكاتب في مقاله بموقع صحيفة "غارديان" البريطانية إن التحول الدولي المفاجئ، الذي قادته دول كبرى كالمملكة المتحدة وفرنسا وكندا نحو الاعتراف بدولة فلسطين، يضع إسرائيل أمام مفترق طرق دبلوماسي حرج، فيما تتزايد الضغوط لإنهاء الحرب والمجاعة في غزة.

اعتراف لا يمكن تجاهله

وأوضح فريلاند أن الخطوة البريطانية، الفرنسية، والكندية بالاعتراف بدولة فلسطين تحمل رمزية قوية ودلالة سياسية كبيرة، كونها صادرة عن ثلاث دول من مجموعة السبع، لتنضم إلى أكثر من 140 دولة سبق أن اتخذت الموقف نفسه.

وأضاف الكاتب أن الاعتراف يأتي بالتزامن مع مؤتمر أممي ضخم في نيويورك شاركت فيه 125 دولة، لتأكيد دعمها لحل الدولتين. وقد جاء ذلك كله رداً على التصعيد الإسرائيلي المستمر والسياسات التي عطّلت أي مسار تفاوضي حقيقي.

نتانياهو يرد بالمقارنات التاريخية

تابع فريلاند أن نتانياهو لجأ إلى مقارنات مثيرة للجدل، متهماً الغرب بتكرار "خطأ ميونخ 1938" عندما تم استرضاء هتلر، زاعماً أن الاعتراف بدولة فلسطين يُكافئ "حماس" على هجماتها في أكتوبر (تشرين الأول).

ورأى الكاتب أن هذا الطرح يتجاهل الحقائق، مشيراً إلى أن البيان الأممي الأخير أدان هجمات حماس بوضوح وطالب بنزع سلاحها وتسليم غزة للسلطة الفلسطينية، ما يوضح أن الاعتراف لا يمثل دعماً للفصائل المسلحة، بل محاولة لإحياء مسار الدولتين بقيادة السلطة الشرعية.

 هل يُضعف الاعتراف مفاوضات الرهائن؟

أشار فريلاند إلى أن بعض منتقدي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يخشون، أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقوية موقف حماس وإضعاف فرص إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، لكنه ينقل عن أنصار الاعتراف قولهم إن حماس أصلاً لا تعترف بمبدأ حل الدولتين، وبالتالي التراجع عن الاعتراف لن يقنعها بالتفاوض بل سيعزز رؤيتها الرافضة لأي تسوية سياسية.

رغم أهمية الاعتراف، يؤكد الكاتب أن الخطوات الغربية لا تزال رمزية في جوهرها. إذ أن الواقع في غزة لم يتغير، ولا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تفتك بالبشر والحجر، فيما يواصل نتانياهو تجاهل المجتمع الدولي باستثناء حلفائه من الجمهوريين في أمريكا.

وأوضح فريلاند أن هذه الإستراتيجية، رغم فاعليتها الظاهرية، باتت محفوفة بالمخاطر السياسية، خصوصاً في ظل بروز جناح جمهوري أمريكي أكثر عداءً لإسرائيل، وسعي دونالد ترامب إلى رسم صورة "رجل الدولة" الباحث عن جائزة نوبل للسلام.

العزلة الاقتصادية.. تهديد خفي يطل برأسه

وحذر الكاتب من أن إسرائيل، رغم اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي، لا تستطيع تحمّل خسارة شركاء اقتصاديين بحجم الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، إذ أن الأسواق الأوروبية تُعد من أكبر منافذ التبادل التجاري، والضغط الاقتصادي الناجم عن العزلة قد يكون أكثر تأثيراً من أي حملة عسكرية أو إعلامية.

وأضاف أن مظاهر العزلة تتجلى حتى في سلوكيات السياحة والمعاملة الشعبية للإسرائيليين، كما حدث مؤخراً في اليونان. وهذا يعزز، برأي الكاتب، شعوراً داخلياً لدى الإسرائيليين بأن استراتيجية "لا أحد يحبنا ولا يهمنا" لم تعد واقعية في عالم مترابط يعتمد على التجارة والعلاقات الدبلوماسية.

بريطانيا تغير الحسابات.. لماذا الآن؟

ورأى فريلاند أن بريطانيا اختارت توقيت الاعتراف بدقة. فبدلاً من ربطه بمسار تفاوضي غير موجود، قررت استخدام هذه الورقة قبل أن تفقد كل جدواها السياسية. واستشهد الكاتب بتصريح الوزير البريطاني ويس ستريتينغ الذي قال فيه: "يجب الاعتراف بفلسطين بينما لا يزال هناك ما يمكن الاعتراف به".

هذه الخطوة، بحسب فريلاند، تعكس نفاد الصبر الغربي من التمادي الإسرائيلي وتآكل المصداقية الدولية للسياسة الحالية في تل أبيب.

 إسرائيل أمام الحقيقة والعالم يتغير

اختتم فريلاند مقاله بالقول، إن المجتمع الدولي يُعيد رسم معادلاته تجاه القضية الفلسطينية، وأن استمرار إسرائيل في تحدي الإرادة الدولية سيزيد من عزلتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية.

وقال الكاتب إن الإسرائيليين أنفسهم سيدفعون ثمن هذه العزلة، سواء على صعيد علاقاتهم الدولية أو وضعهم الاقتصادي أو حتى صورتهم في الوعي العالمي. فالعالم يتغيّر، وعلى نتانياهو أن يدرك أن تجاهله لهذه الحقيقة قد يكون مكلفاً على المدى القريب والبعيد.